Tadbir.ma

«أكروبوليس» قيمة استثمارية مضافة في حاضرة مكناس

أول قطب تنافسي موجه للصناعات الفلاحية والغذائية

kima.jpg

«أكروبوليس» قيمة استثمارية مضافة في حاضرة مكناس› دخلت مدينة مكناس في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة في مجال الاستثمار بعد إحداث عدد كبير من المقاولات من طرف أشخاص ذاتيين ومعنويين، وكذا من حملة الشهادات . واتجه هذا الاستثمار في مجالات مختلفة وإن كان مصابا باختلالات بنيوية داخل المجال الحضري للمدينة بسبب انتشار واسع للمضاربات العقارية  ما عجل بنقل الاستثمار إلى ضواحيها. وموازاة مع هذا التحول عرف الاستثمار في المجال السياحي انطلاقة بسبب إحداث عدد من الفنادق ودور الضيافة، غير أن المهنيين السياحيين يتطلعون نحو الزيادة في عدد السياح وتحويل مدينة مكناس من منطقة العبور إلى منطقة الإيواء. 

الاستثمار الصناعي ينتقل  إلى مدخل مكناس  

لم يجد الرأي العام المحلي تفسيرا لما آل إليه الاستثمار الصناعي داخل المجال الحضري  لمكناس جراء الاختلالات البنيوية التي تشهدها المدينة في السنوات الأخيرة، حيث يعيش القطبان الصناعيان بمدينة مكناس وضعية يرثى لها، وهما الحي الصناعي عين سلوكي أول حي أحدث بالمدينة من طرف المستعمر الفرنسي، خلال سنوات العشرينيات من القرن الماضي، ويمتد من شارع مولاي يوسف إلى حي البساتين، وكان يضم وحداث صناعية في مجالات مختلفة. واستفاد هذا الحي الصناعي بالقرب من مستودعات السكك الحديدية، وكذا من المدينة الجديدة (حمرية) القطب الإداري والخدماتي، حيث تمركز البنوك وشركات التأمين ومحطة القطار الكبرى ووكالات الأسفار، غير أن وضعه الحالي سيء للغاية بعد أن تحولت تلك البنايات المهجورة التي كانت تحتضن في وقت سابق معامل إلى خرب مهجورة، التي شكلت نقط أمنية سوداء، بل أدهي من ذلك خضعت بعضها للمضاربات العقارية بعد بناء مكانها عمارات سكنية من عدة طوابق في إطار المضاربات العقارية التي تشهدها المدينة الجديدة (حمرية) وضواحيها بمكناس، إضافة إلى تحول جيوب الحي الصناعي عين سلوكي إلى جوطية في شكل سوق ضخم لبيع الخردة والمواد وقطع الغيار المستعملة، انطلاقا من شارع شفشاوني إلى القنطرة المؤدية إلى سوق الجملة للخضر والفواكه. من جهة أخرى يدق الرأي العام المحلي بمكناس ناقوس الخطر بسبب حالة التسيب التي يعرفها الحي الصناعي المذكور في ظل غياب الجماعة الحضرية التي التزمت الصمت وتراجعها إلى الوراء  إزاء ما يجري من تجاوزات بالحي ذاته، الذي يمتد طولا على خمسة كيلومترات وعرضا لأزيد من كيلومتر. وحمل بعض المواطنين في شهادتهم لـ "التدبير" المسؤولية للجماعة الحضرية التي لم تفكر في وضع مخطط اقتصادي من شأنه تأهيل هذا الحي الصناعي بتعاون مع سطات المدينة، وكذا المركز الجهوي للاسثمار، وبالتالي جلب مستثمرين جدد داخل المدينة، من خلال إعادة تزفيت الطرق، وإصلاح الإنارة العمومية، وإعادة فتح الممر الطرقي عبر الممر السككي الرابط بين شارعي الجيش الملكي والسعديين من شأنها فك الضغط في حركة المرور بالنسبة لوسائل النقل الأخرى. من جهة أخرى يعيش الحي الصناعي الثاني بسيدي بوزكري الواقع جنوب مكناس وضعا مزريا بسبب اختلالات في البنية التحتية، وكذا زحف السكن العشواني في اتجاهه بسبب الهجرة القروية، دون إغفال وجود سوق أسبوعي للمواشي الذي يعقد كل يوم الأربعاء ليتحول بدوره إلى فضاء لبيع  التجهيزات المنزلية والخردة يوم الأحد من كل أسبوع ، وهو ما شكل عرقلة لنمو هذا الحي الممتد على مساحة 15، والذي يرجع إلى بداية الستينات من القرن الماضي. وفي ظل تراجع الاستثمار الصناعي بالعاصمة الإسماعيلية، عبر عدد من خريجي مراكز التكوين حاملي شهادات التكوين المهني بمدينة مكناس عن استيائهم لانقراض كل من الحي الصناعي عين سلوكي وسيدي بوزكري بناء على اعتبارات سابقة، واللذين لم يعودا يستقطبان اليد العاملة كالسابق في إطار "تشغيل القرب"، بل أصبح البديل هو البحث عن فرص الشغل خارج المدينة بكل من مجاط وسيدي سليمان مول الكيفان. 

‎مشروع أكروبوليس.. أرضية جذابة للاستثمار

يعتبر مشروع "أكروبوليس" بضواحي مدينة مكناس، أول قطب تنافسي موجه للصناعات الفلاحية والغذائية على الصعيد الوطني، ما يساهم في تعزيز مكانة جهة- مكناس تافيلالت كأرضية جاذبة للاستثمار وتطوير الزراعات التي تتميز بها المنطقة.

وبعد مرور حوالي ست سنوات على الإعلان عن انطلاق عملية تسويق بقع شطره الأول سنة 2010 على هامش فعاليات المعرض الدولي للفلاحة، بلغ حجم المساحة التي تم تسويقها من طرف المستثمرين وحاملي المشاريع 34 هكتارا، أي بنسبة تقدر بـ 30 في المائة من إجمالي المساحة المخصصة للشطر الأول 134 هكتارا. وحسب عدد من الفاعلين الاقتصاديين بالمنطقة، فإن وتيرة استقطاب المشاريع وإنجازها على أرض الواقع بهذا القطب، الذي تمتد مساحته الإجمالية على مساحة 580 هكتارا، تعرف "بطئا ملحوظا"، مشيرين إلى أن ذلك يرجع إلى "عدم تكثيف وتسريع وتيرة التسويق، وكذا بسبب ارتفاع ثمن العقار بهذا المشروع. من جهته، أكد العربي العرايشي، رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب بجهة   مكناس – تافيلالت، في تصريح مماثل، أن ما يعيق تقدم وتيرة إنجاز واستقطاب المشاريع بقطب"أغروبوليس" الذي يشكل قاطرة للاستثمار محليا ودوليا، هو ارتفاع ثمن البقع الأرضية الذي لا يشجع المستثمرين على اقتناء العقار خاصة وأن هذا القطب، يضيف العرايشي، هو مخصص للصناعات الفلاحية والغذائية ما يفرض على المستثمرين وحاملي المشاريع اقتناء حجم كبير من العقار لخلق مقاولة في هذا المجال. وبعد أن أكد أن التشجيع على تسويق هذا المشروع، الذي جاء في ظل ظرفية اقتصادية عالمية صعبة، هو مرتبط أساسا بخلق شروط تحفيزية للمستثمرين تتمثل بالدرجة الأولى في تخفيض ثمن العقار، دعا العربي العرايشي إلى التسريع بوتيرة الترويج لهذا المشروع وطنيا ودوليا والتعريف بمميزاته، سيما وأنه يوجد بالقرب من الطريق السيار المؤدي الى الرباط وفاس.

ويشكل مشروع "أكروبولي بمكناس، الذي شرع في إنجازه سنة 2009 على مساحة 580 هكتارا، من طرف شركة "ميد – زيد" بشراكة مع وزارات الاقتصاد والمالية والفلاحة والصيد البحري والصناعة والتجارة والتيكنولوجيا الحديثة وولاية جهة مكناس- تافيلالت، قطبا تنافسيا في مجال الصناعات الفلاحية والغذائية باعتباره أرضية جذابة لاستقطاب مقاولات انتاجية ومراكز للتكوين ووحدات للبحث تابعة للقطاعين العام والخاص. ويتكون هذا القطب الفلاحي والغذائي من منطقة خاصة بالأنشطة الاقتصادية المختصة في الصناعات الغذائية، ومنطقة لوجستيكية ووحدات خاصة بالأنشطة الصناعية التي تهم مجال التكوين والبحث والتنمية والتجديد ونقل التكنولوجيا. 

مقاولات تحتاج إلى المواكبة 

أكد محمد قداري فاعل اقتصادي بمدينة مكناس، أن الاستثمار في جهة مكناس شهد في السنوات الماضية ركودا بسبب هشاشة البنية التحتية، لكن تم تدارك الأمر حينما تم الميول نحو الاستثمار في المجال الفلاحي خاصة في منطقة اكروبوليس، التي تم إحداثها، حتى يكون لمدينة مكناس نصيب أوفر من الاستثمارات الوطنية والأجنبية، قد تعيد الأمل الى مختلف الفاعلين، وبالتالي احتواء مشكل البطالة خاصة في صفوف حاملي الشهادات في مختلف التخصصات المهنية. ودعا قداري في تصريح لـ "التدبير" إلى ضرورة أخذ المبادرة من طرف المقاولين والمهنيين من خلال التكتل والتأطير لمواجهة تحديات العولمة والمنافسة، خصوصا في جهة مكناس التي تتوفر على مؤهلات، إلى جانب اتخاذ إجراءات تحفيزية لكي تكون المقاولة قادرة على مواجهة التحديات. وأضاف قداري أنه ما بين 70 و80 في المائة من المقاولات تعمل في مجال النسيج والجلد وجلها متوسطة وصغيرة، وبالتالي تشغيل يد عاملة مهمة، ونظرا لدورها في النسيج الاقتصادي فقد بات من الضروري مساعدتها، وخصوصا أن جلها تعمل من أجل تصدير منتوجاتها محليا ودوليا، لذا وجب مساعدة المقاولة ونهج سياسة القرب إزاءها لمعرفة خاصية كل مقاولة منتجة والرفع من مردودها الإنتاجي. من جهة أخرى شهدت مدينة مكناس خلال السنوات القليلة الماضية إحداث مقاولات جلها متوسطة وصغيرة في مجالات مختلفة، من طرف شباب واعد من حاملي مشاريع، كان هدفهم ضمان لأنفسهم شغلا قارا، والمساهمة في تشغيل اليد العاملة الحملة للشهادات المهنية. وشكل الحي الصناعي مجاط وسيدي سليمان مول الكيفان نموذجا لخلق مقاولات على اختلاف أنواعها دون إغفال المناطق الأخرى من جهة مكناس- تافيلالت. 

استثمار في مطاعم ودور السياحة

من أجل تأهيل السياحة  تشكل المطاعم السياحية بمكناس، وجهة مفضلة للسياح الأجانب من مختلف الجنسيات، الذين عادة ما يجدون ضالتهم في تلك الفضاءات، وخير نموذج العاصمة الإسماعيلية التي تشكل محطة عبور لعدة قوافل سياحية وافدة من مدينة فاس، حيث أثناء مرورهم عبر المدينة، يتم اللجوء إلى المطاعم التي تم ترخيص لها لتكون مخصصة للسياح بناء على المواصفات المطلوبة، وفي هذا الصدد فقد ظهرت أولى المطاعم السياحية قبل عقود خاصة بالمدينة الجديدة حمرية أو ما تسمى بباريس الصغرى.

ونظرا للإقبال المتزايد عليها فقد عمل أربابها على استثمار أموال مهمة من خلال تجهيزها وتزويدها بكل الضروريات، بل تم اعتماد في التزيين تلك المطاعم على النموذج التقليدي من حيث التجهيزات والاستقبال دون إغفال الإطعام الذي لا يخرج أحيانا عن إطار الطبخ المغربي التقليدي. وتحدث بعض أرباب المطاعم السياحية عن دورهم في تنمية المجال الاقتصادي والاجتماعي دون إغفال مساهمتهم في تشغيل اليد العاملة على اختلاف تخصصاتها، غير أن ما ينتظره مهنيو المطاعم السياحية هو الزيادة في عدد السياح بمدينة مكناس التي لا زالت تعاني كسادا في هذا المجال مقارنة مع الجارة فاس وتسويق المنتوج السياحي على المستوى الدولي من خلال التركيز على المطاعم السياحية ضمن الإعلانات.

وحول وضعية القطاع الفندقي بجهة مكناس، أكد نضال لحلو، رئيس الجمعية الجهوية للصناعة الفندقية بجهة مكناس- تافيلالت، كون عدد من المستثمرين السياحين في مجال الفنادق يساهمون في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تشغيل اليد العاملة على اختلاف تخصصاتها، وكذا توفير المداخيل من خلال الضرائب والرسوم المفروضة على الفنادق، إلى جانب توفير الظروف المناسبة لإقامة الزبناء من السياح المغاربة والأجانب داخل مختلف الفنادق. ودعا لحلو في تصريح لـ "تدبير" إلى ضرورة تأهيل القطاع السياحي عامة من خلال تحقيق انطلاقة سياحية في جهة معروفة بغناها الطبيعي والتاريخي، وتنظيم المنتدى الجهوي للسياحة، ووضع خطة لتنمية القطاع من شأنها إعطاء حركية لمهنيي القطاع في جهة يجب الاهتمام بها.

من جهة أخرى دعا عدد من مهنيي القطاع في يوم دراسي إلى ضرورة خلق هوية لكل منطقة على حدة عبر تأسيس مهرجانات وتظاهرات يكون لها دور في إشعاع المنطقة، والاهتمام ودعم المهرجانات القائمة كمهرجان الخطوبة بإملشيل الذي اكتسب شهرة عالمية، وتنظيم لقاءات باستمرار لفائدة المنعشين السياحيين، وكذا تنظيم السوق السياحية بالمدارين القروي والحضري، واحتواء بعض الصعوبات الاقتصادية والتنموية التي تعرفها هذه المناطق. وأكد المتدخلون على أهمية تنظيم القطاع السياحي بمدن الجهة، حتى لا تظل مدن عبور بل تتحول إلى مدن سياحية تسوق منتوجها، وهذا لا يتحقق إلا عبر رؤية تشاركية لإنعاش القطاع. كما تمت إثارة مشاكل بعض المناطق النائية بالجهة التي تزخر بمؤهلات طبيعية جذابة، إلا أنها تحتاج إلى مؤسسات سياحية للإيواء لتكون وجهة ذات قيمة سياحية وطبيعية، إلى جانب التأكيد على الاهتمام بالسياحة الأثرية ودعم الوجهات الثقافية لجلب السياح، لاسيما وأن مدن الجهة لها تاريخ حافل ومعروفة بتراثها، فيما واعتبر البعض أن القطاع السياحي بالجهة يحتاج إلى دعم قوي من قبل الدولة، حتى تكون نتائجه في مستوى طموحات الفاعلين والمنعشين السياحيين بالمنطقة، داعين إلى تشجيع المستثمرين على إنجاز مشاريع سياحية وإحداث مهرجانات ذات هوية محلية، وتنمية قطاع الصناعة التقليدية، خاصة العالم القروي كدعامة أساسية للقطاع السياحي.

وتوفير الطرق والمسالك لفك العزلة على المناطق القروية لتسهيل التنقل، والرفع من مستوى تكوين الموارد البشرية في ميدان السياحة. وتسويق المنتج السياحي لجهة مكناس- تافيلالت عبر المواقع والخرائط والصور والتعريف به في الخارج. وفي ظل تداعيات تدهور القطاع السياحي بالجهة، ذكر سمير زاهر المنعش السياحي أن جهة مكناس غنية بمواردها الطبيعية ومعالمها التاريخية، وهي مؤهلة لاستقطاب أكبر عدد من السياح لدرجة أنها يطلق عليها "جهة الفصول الأربعة"، حيث تجمع بين السهل والجبل والواحة والصحراء، غير أن هناك إكراها يعانيه القطاع يصعب تحديها دون إغفال ما يعانيه المستثمرون السياحيون من كثرة الرسوم وقلة المدخول اليومي، رغم مساهمتهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال جلب العملة وتشغيل اليد العاملة. ومن أجل تجاوز هذه الإكراهات دعا زاهر، وهو رئيس سابق لغرفة التجارة والصناعة والخدمات إلى تطوير القطاع السياحي بالجهة سعيا لاستقطاب السياح، والدفع بالاقتصاد السياحي الذي أصبح مطلبا بالغ الأهمية عبر انخراط كل الفاعلين والمنعشين والمتدخلين في القطاع، وترويج المنتوج السياحي بشكل أفضل في الخارج، وإحياء المهرجانات بمدينة مكناس وإكثار من المعارض الوطنية والدولية. 

مكناس: عبد العالي توجد
14 أبريل 2015
للإستفسار طباعة