Tadbir.ma

مَن غشنا فليس منا

HAITAMI 50.jpg

ما  تم الإعلان عنه من ضبط أكثر من ثلاثة آلاف حالة محاولة غش في امتحانات الباكالوريا لهذه السنة، يثير العديد من الأسئلة المقلقة حول ما آل إليه مجتمعنا من حيث تراجع قيم كانت إلى عهد قريب تشكل تميزا للمغاربة. إذا كان 6 تلاميذ من أصل كل ألف يرغبون في الحصول على شهادة الباكالوريا عن طريق التدليس والغش، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن ما تم ضبطه ليس إلا الجزء الظاهر من جبل الثلج وأن ما خفي، أي ما لم يُكتَشَف أو ما تم التغاضي عنه، كان أعظم، سنصل بكل سهولة إلى معدل يتجاوز 1 في المائة.

هذا يعني أن هذه الفئة من الشباب تعتبر التصرف هذا عاديا  ومقبولا، وليس هناك أي حرج في الإقدام عليه. هنالك كذلك أشخاص رأوا في هذه الوضعية، فرصة لتنمية مداخيلهم فعرضوا خدماتهم وزودوهم بالوسائل الضرورية، ذلك أن التقنيات التي استُعمِلَت من بطاريات وأسلاك وسماعات صغيرة مندسة تحت الآذان، بل حتى شرائح هاتفية صغيرة يمكن غرسها تحت الجلد، إلخ. كانت من صنع مهنيين لهم دراية في الميدان. وهناك كذلك أصحاب الاختصاص في الإجابات الصحيحة عن أسئلة الامتحان، التي سيتم إيصالها عبر تلك الوسائل للتلميذ داخل القسم. إنهم أناس ذوو مستوى دراسي عالي، أعضاء عصابة ومنخرطون في عملية هدم مبدأ تكافؤ الفرص وسرقة مستقبل أشخاص ضحوا وضحى آباؤهم، فحرموهم من مقعد أكاديمي في مدرسة عليا أو كلية وأعطوه لمن لا يستحقه.

لنا أن نتساءل عن هؤلاء الذين حاولوا أن يغشوا وأولئك الذين غشوا وتمكنوا من الإفلات من المراقبة، كيف سيتصرفون مستقبلا في الكلية، وفي حياتهم الخاصة وفي مناصبهم وأعمالهم كيفما كانت. هل يمكن ائتمانهم على الممتلكات والأصول والوثائق؟ هل تُعتَمَد شهادتهم؟ من سيضمن أنهم لن يُخسروا الكيل والميزان أو لن يخلطوا الفاسد بالصالح من المواد؟ هل ننتظر منهم الإخلاص في عملهم؟ هل هم المواطنون الذين حضَّرناهم لرفع تحديات التنافسية والابتكار وخلق الثروات؟ هل الحل هو أن نحضِّر جيوشا من المراقبين والمفتشين لكي نضيق الخناق على أساليب الغش داخل كل قاعة امتحان؟ و لِمَ لا إنشاء شعبة دراسية لتكوين مختصين في محاربة الغش في الامتحانات؟

أكاد أجزم أن مَن لجأوا إلى الغش لم يبلغوا قسم الباكالوريا بمجهودهم، بل إن العملية نفسها مورست طوال السنوات الدراسية الفارطة. أن يغش التلميذ أثناء امتحان الباكالوريا يغنينا عن البحث أكثر في مشكل استقالة أولياء التلاميذ وفشل منظومة التعليم، لأن ما حدث من غش وتسريب خير مؤشر على عمق الضر (وليس الضرر)، أو كما يقال «الدودة كانت أصلا في الفاكهة».

محمد الهيتمي
15 يوليوز 2015
للإستفسار طباعة