Tadbir.ma

عوينة تغدوين متنفس الهاربين من حر مراكش

ملجأ سياحي يوفر فضاء طبيعيا للاستجمام للمغاربة والأجانب

MALJAA.jpg

› شكل عدد من المنتجعات الطبيعية ضواحي مدينة مراكش، قبلة ووجهة مفضلة لعدد من الأسر المغربية، والسياح الأجانب، لقضاء عطلة الصيف، بالرغم من الحرارة المرتفعة التي تعيشها المدينة الحمراء خلال هذه الفترة من السنة.

ومن بين المنتجعات الطبيعية المعروفة، التي تستقطب السياح المغاربة والأجانب، منطقة مولاي إبراهيم الواقعة في إحدى مرتفعات الأطلس الكبير والبعيدة عن مدينة مراكش بحوالي 50 كلم، ومنطقة أوريكا الواقعة بسفوح جبال الأطلس المتوسط، وتبقى منطقة أربعاء تغدوين، الواقعة بين سفوح جبال الأطلس الكبير بإقليم الحوز، على بعد حوالي 64 كيلومترا من مدينة مراكش، من بين المنتجعات الطبيعية، التي تعرف توافد الأسر المغربية من مختلف جهات المملكة، والسياح الأجانب، خاصة أن سحر الفضاء الذي تمنحه طبيعة خلابة بين جبال الأطلس الكبير والحقول يغري بالزيارة لكل باحث عن الاستجمام والهدوء، حيث الخضرة ومياه نهر "آزات" المنسابة من بين الجبال قبل أن تصل إلى ذروتها في صبيب لا متناه على شكل شلالات صغيرة.

حوالي 90 دقيقة عبر السيارة في الطريق إلى ورززات، انطلاقا من باب اغمات، تأخذك الى عين سيدي الوافي بأربعاء تغدوين بدائرة أيت أورير إقليم الحوز، أو العوينة كما يحلو للمراكشيين تسميتها. 

مياه للعلاج

العوينة لم تكن سوى جماعة قروية تنتعش من مائها وطينها أخرجتها الجماعة من طابعها البدائي وزينتها بالفسيفساء والزليج ما أضفى على شاربها سحرا آخر، وفي زاوية منعزلة حفرة مملوءة بالطين المبلل يقصدها الرجال والنساء من مختلف الأعمار لعلاج امراضهم الجلدية.

تبعد عين سيدي الوافي عن مقر جماعة تغدوين بكيلومتر تقريبا، وتوجد وسط الأشجار والصخور والرمال، والمياه التي نحتت مجراها بعفوية على طول هذا الشريط، وتعتبر أحد الروافد الرئيسية لمنطقة تغدوين السياحية بإقليم الحوز، مائها معدني طبيعي يقول من شربه إنه صحي مثل جو المنطقة ككل.

أول ما يستقبل الزائر، هواء المنطقة الذي ينعش الأجساد، رائحة أشجار الخروب والصفصاف، وأنواع تنشر عبيرها في ذلك الصباح المشرق، خصوصا أن مراكش تعيش على ايقاع موجة من الحرارة المفرطة التي تجاوزت 40 درجة. لم نصادف مشاكل في الطريق نحو العوينة، لأن الأمر يتعلق بفترة تقل فيها الحركة نحو هذا المدشر، الذي خرج إلى الوجود بفضل عيونه الكثيرة، التي وصلت إلى أزيد من 11 عينا، كل واحدة تتميز بمذاقها الخاص، كانت الرحلة أشبه بسفر قصير وكانت الطريق فارغة إلا من عربات النقل المزدوج، وبعض العربات التي تحمل أرقاما خارجية. في طريقنا رغم القيظ كان مكيف السيارة يلطف الجو ويدفع ببعض من برودة مصطنعة، قال لي صديقي الصحافي إن طقوس رمضان تجعل من هذه المنطقة شبه فارغة، باعتبار أن هذه المنطقة تعيش فقط على ما يدره الصيف من سياحة وطنية نحو العوينة، وأضاف وهو يمسك مقواد السيارة ويركز نظراته في الطريق الملتوية، إن زيارتنا لهذه المنطقة وفي هذا الوقت بالذات، في إشارة إلى رمضان، قد لا تفيدنا في شيء، سوى الهواء النقي، وانتعاش بماء تغدوين، الذي سنغسل به وجوهنا وأطرافنا فقط، دون أن نتذوقه، لأننا في رمضان الكريم، وقد نحمل معنا قارورات من ماء سيدي وافي، ونستعين بها في إفطارنا، لأن ماء العوينة له خصوصيات كثيرة، ومعادن لا تتوفر في ماء الصنبور.

ليل تغدوين

في زيارة خاطفة لـ"تدبير" لهذا المنتجع، الذي خفت فيه الحركة، خصوصا في هذا الشهر المبارك، وجدنا بعض العائلات التي فضلت قضاء أيام من رمضان في هذا المكان الطبيعي، علما أن سومة كراء غرفة في بعض الإقامات غير المصنفة مشجعة، في هذا الإطار قال محمد بكاس إنه يفضل هو وعائلته هذا المنتجع عن غيره من المناطق السياحية المراكشية، وبخصوص كيف يقضي سحابة يومه وهو صائم، أفاد أن كل ما تشتهيه النفس موجود هنا، وكل طقوس رمضان متوفرة انطلاقا من المسجد الذي تؤدى فيه صلاة التراويح، مبرزا أن ليل تغدوين متفرد يسكنه الهدوء وحفيف الأشجار.

ويجمع هذا المنتجع السياحي، الذي يتحول بأشجاره ومياهه ووديانه، خلال فصل الصيف إلى ملاذ ووجهة مفضلة للباحثين عن الهواء"البارد" والخضرة المنعشة والهاربين من أشعة شمس مراكش الحارقة التي تشتد خلال هذه الفترة من السنة، بين السياحة الداخلية والخارجية، أسر تفضل أن تقضي يوما كاملا بين ظلال أشجار عين سيدي وافي بأربعاء تغدوين، وبين جداول الماء البارد. المحلات المتراصة وجدناها شبه مغلقة، والمدرجات التي يتخذها أصحاب المقاهي والمطاعم بساطا للزائرين وزبنائهم تحكي الفراغ. توفر المنطقة الواقعة بين سفوح جبال الأطلس الكبير، فضاء طبيعيا للاستجمام للزوار حيث الماء والخضرة والمطبخ المحلي مما جعلها قبلة سياحية بمزايا خاصة.

تغدوين موقع سياحي مهم، على غرار منطقة أوريكا وسد للاتكركوست، باقليم الحوز، أحد الملاجئ السياحية الأخرى لأبناء مراكش وزوارها هربا من شمس المدينة الحارقة.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي، سيتغير وجه تغدوين، وستصبح منطقة سياحية مثلها مثل أوريكا، ومولاي ابراهيم، وإمليل، لها زوارها المتنوعون، الذين يفدون عليها من كل المدن المغربية، وكذا بعض أفراد الجالية المقيمة بالخارج، والعرب الخليجيين، للاستفادة من مائها، الذي يتحدث الجميع هنا بأنه يملك مزايا خاصة، كقدرته على تفتيت حصي الكلي، وتنظيفها، وتقوية الجهاز الهضمي. تتميز منطقة أربعاء تغدوين، التي تعرف توافد السياح المغاربة والأجانب المولعين بالسياحة الإيكولوجية، بطقسها البارد، وبالعيون التي انفجرت من باطن الأرض، تختلف مذاقا، وتتوحد في مائها الشبيه بـ"والماس"، بالإضافة الى كونها مكانا للاستجمام والاستمتاع بالجو "البارد" والطبيعة الخلابة التي ظلت تشكل متنفسا لسكان المدينة الحمراء، يتخذونها مجالا للنزهة والترويح عن النفس خصوصا خلال فصل الصيف.

أصل التسمية

ارتبطت كلمة تغدوين، وهي في الأصل كلمة أمازيغية، وتعني سكة المحراث، لأن أهلها كانوا يتقنون صناعة إكسسوارات المحراث بطريقتهم الخاصة، منها السكك، وعمود المحراث، الذي ينحتونه من شجر الصفصاف، أو الجوز، وأنواع أخرى من الأشجار تتميز بخشبها الصلب.

في زاوية منعزلة شيئا ما، يسهر شاب تبين من حديثه أن البقعة، التي تنبع منها عين يستغل مياهها في عجن التراب، ليصير طينا، هي بقعة في ملكية أسرته. الحفرة المملوءة بالطين المبلل، تقصدها النساء بكثرة لصنع قناع لوجوههن، وكذا تعفيره بالتراب، بل ينخرطن بحماس في دهن أطراف أجسادهن بالطين، يأتي الوجه في مقدمتها فالأذرع والسيقان، مقتنعات بأن هذا الطين يبرئ مجموعة من الأمراض الجلدية ويقوي بشرة الوجه ويساعد على جمالها، كما يزيل البهق، والنمش، والندوب الخفيفة، وحب الشباب. لم تكن النساء وحدهن اللواتي استهوهن الطين التغدويني، بل أيضا الشباب، وأحيانا الكهول، الذين يبحثون عن وجه نظر، وصادفنا الشاب يونس البوعاوي، الذي قال إنه سمع بهذه العوينة، وقدم إليها من مدينة مراكش حتى يستفيد من مائها وطينها، والأمر نفسه بالنسبة لمصطفى ملوك، الرجل المتقاعد، الذي يستقر بمدينة الرباط هو وصديقه محمد، وتحدث ملوك لـ"تدبير"  وقال إنه يفضل تغدوين عن غيرها من المنتجعات السياحية الأخرى، لمعاملة أهلها وأثمانها المناسبة.

وحسب رشيد أحد سكان المنطقة، فإن اكتشاف العين تعود إلى مهندس فرنسي قام بتحليل مياهها، ووجدها صالحة للشرب، وغنية بالمواد المعدنية، والفضل الكبير في إشهار هذه العيون، ارتبط في ذاكرة الأهالي بمواطن مغربي كان يعاني سرطانا متقدما، خلف له جرحا عميقا في رأسه وكان يلجأ إلى إحدى هذه العيون من أجل تنظيف الجرح، إلى أن شفي تماما.

ويلجأ الكثير من الزائرين إلى ملء قارورات من ماء عيون أربعاء تغدوين ليحملوها معهم إلى مدنهم، كبركة من جهة، وكماء معدني صحي من جهة أخرى، إلا أن ثمن هذه القارورات و"البيدونات" يبدو نوعا ما غاليا. ولإزالة العياء وعناء السفر، هناك حمامات للرجال والنساء، يسهر أصحابها على تقديم خدمات بأزهد الأثمان، مستعملين في تدفئة المياه، خشب المنطقة، وهو من الأشجار اليابسة التي تحيط بتغدوين.

17 يوليوز 2015
للإستفسار طباعة