Tadbir.ma

صياغة الفضة مهنة يتوارثها الأجيال في المناطق الجنوبية

wirata34.jpg
الأسرة النواة الأساسية لنقل حرفة صياغة الفضة بين أفرادها إذ أن جل الدواوير التابعة لجماعة أنزي معروفة
بهذه الصنعة منذ القدم

› أفاد محمد كنتي، كاتب عام تعاونية المستقبل للصياغين في كلميم، أن صياغة الفضة من الحرف التقليدية التي تتوارث عبر الأجيال بالمناطق الجنوبية، وأن هناك أسرا تحرص على تعليم أبنائها "الحرفة" في إطار الحفاظ على هذا الموروث الذي يعود إلى قرون خلت.

وقال محمد كنتي في تصريح لـ"تدبير" إنه يمارس مهنة صياغة الحلي منذ سنة 1987 وأنه تعلم هذه المهنة عن والده الذي تعلمها بدوره عن جده، ما يفيد أن تعليم الأبناء كان من العوامل التي ساهمت في الحفاظ على هذا الموروث عبر مرور الأجيال.

كان محمد كنتي يلتحق بورشة والده، حسب قوله، منذ كان صغيرا، حين عودته من المدرسة ومن المسجد بعد حصص حفظ القرآن، وكان جلوسه إلى جانب أبيه مناسبة لاحتكاكه بمهنة المستقبل، إذ تمكن، بعد مرور سنوات، من تحقيق معايير الجودة والإتقان في القطع الفضية التي أصبح يصنعها.

قال كنتي إن هناك عددا من الأسر الجنوبية تحرص على تعليم أبنائها أنواعا من الحرف التقليدية، في إطار الحفاظ عليها، وأن هناك من علم أبناءه، خاصة الذين تتوفر لديهم الرغبة، الصياغة إلى جانب تحقيقهم مستويات دراسية عالية.

في هذا الاتجاه أكد محمد كنتي أن عمه يوسف كنتي، الذي بلغ مستوى عاليا من الدراسة تعلم، بدوره، الصياغة على يدي والده، وأن متابعته التحصيل الدراسي لم يحل دونه تلقيه مهنة الأجداد.

يعمل كنتي حاليا في المركب الصناعة التقليدية في كلميم، إلى جانب عدد من الصياغين، وخلال دردشته علمت "تدبير" أن والده، مارس الصياغة منذ سنة 1968، وأنه بدوره تعلم عن والده، وأن هذه الحرفة تعود إلى حقب ماضية وكان تعليم الأبناء وسيلة للحفاظ عليها.

وذكر كنتي في حديثه أن التعاونية من أقدم تعاونيات صياغة الفضة في الجنوب، ويعود تأسيسها إلى سنة 1974، وكان الهدف من خلقها هو تنمية المهنة التي يمارسها عدد من الصياغين في ذلك التاريخ.

من جانبه أفاد محمد فارس، كاتب عام تعاونية إمي أوكني لصياغة الفضة في تزنيت أن تعليم حرفة الصياغة انتقل عبر الأجيال ما مكن من الحفاظ على النقوش القديمة والتصاميم التي تعكس عادات والتقاليد العريقة للأسر الأمازيغية السوسية. بدأ محمد فارس مساره المهني المتعلق بصياغة الفضة منذ كان صغيرا، حسب قوله لـ"تدبير" مشيرا إلى أنه تعلم "الحرفة" على يدي معلم تلقى قواعد الصياغة على يدي والده الذي تركه صغيرا.

وقال فارس إن هذا التكوين الذي تلقاه من هذا "المعلم" مكنه من الحفاظ على موروث الأجداد، مشيرا إلى توافده على ورشة هذا الصائغ مكنه من إتقان مهنة أصبحت، في ما بعد، موردا أساسيا لقوته  اليومي.

وذكر فارس أن هاجس الحفاظ على الحرفة التي ورثها حرفيو تزنيت عن أجدادهم كان من بين أسباب تأسيسه التعاونية في جماعة أنزي سنة 2012.

اعتبر فارس الأسرة النواة الأساسية لنقل حرفة صياغة الفضة بين أفرادها، إذ أن جل الدواوير التابعة لجماعة أنزي معروفة بهذه الصنعة منذ القدم، وهي تمارس من طرف النساء والرجال على السواء.

بخصوص مهارة الصانع التقليدي الذي يمارس الحرفة انطلاقا من التكوين الذي حظي به إلى جانب أحد أفراد أسرته أو من طرف "المعلم"  قال محمد باقلا، رئيس تعاونية إمي أوكني لصياغة الفضة، إن هذه الحرفة التي اشتهر بها سكان أنزي، التي تبعد عن تزنيت بحوالي 42 كيلومترا، وكانت هي السائدة بين الأسر الأمازيغية المحلية، مشيرا إلى أنه واحد من الصناع الذين تتلمذوا على أيادي آبائهم، إذ أنه كان حين عودته من حفظ القرآن في المسجد يساعد والديه وبالتالي تعلم الحرفة بالتدرج.

قال باقلا لـ"تدبير" إن صياغة الفضة أحسن إرث يتركه الآباء للأبناء وهو العامل الوحيد والرئيسي الذي ساهم في الحفاظ على هذه المهنة عبر مرور القرون، مشيرا بالمناسبة إلى أن وجود هذه المهنة بالمنطقة يعود، حسب روايات الأجداد، إلى أزيد من 3 آلاف سنة.

وذكر باقلا أن والده كان يعمل على تلقينه الصياغة منذ كان عمره بالكاد 7 سنوات، إذ يجلس إلى جانبه في ورشته ليبدأ الاشتغال في صقل القطع الفضية التي كان يجري إنجازها.

لم يفت باقلا في حديثه الإشارة إلى دور الأمهات في تلقين الحرفة للأبناء، فهو مازال يتذكر، حسب قوله، اشتغال والدته في صياغة قطع فضية، حين عودته إلى البيت.

وأضاف باقلا، الذي يمارس المهنة منذ حوالي 60 سنة أن هناك روايات تشير إلى أن ظهور صياغة الفضة يعود إلى آلاف السنين، حين دخل اليهود إلى المغرب، إذ كانوا يشتغلون في صياغة الحلي الفضية، ويحرصون على عدم توسيع دائرة هذه الحرفة وتعلمها من طرف السكان المحليين، غير أن اعتناق بعضهم للديانة الإسلامية، وتعليم أبنائهم الحرفة أدى إلى اكتساب قواعدها من طرف بعض السكان المحليين، الذين أصبحوا يعتمدون عليها في كسب قوتهم اليومي.

وأكد باقلا أن الأسر المحلية عملت بدورها على تلقين أبنائها صياغة الحلي الفضية، وساهم ارتفاع وتنوع استعمالها في ازدهارها، وبالتالي أصبحت القطع الفضية تؤثث الهدايا التي تتبادلها الأسر في المناسبات.

ويفيد الموقع الرسمي لبلدية تزنيت، استنادا إلى دراسة أنجزتها تعاونية الصفاء بتزنيت سنة 2007 أن صياغة الفضة تمثل 30 في المائة من الصناع التقلديين بالإقليم، وتشمل ما بين 600 و900 صانع. وأشارت الدراسة إلى أن 3،78 في المائة تلقوا الحرفة عن طريق التعلم، وأن 41 في المائة تعلموا ما بين 10 و15 سنة. 

خديجة بن اشو
04 مارس 2015
للإستفسار طباعة