Tadbir.ma

شيشاوة.. مدينة فتية بمؤهلات طبيعية وفلاحية كبيرة

تتوفر على نشاط خدماتي مزدهر يشغل يدا عاملة مهمة ويرتبط بالسياح العابرين

chichawa.jpg

› منذ إحداث بلدية شيشاوة إثر التقسيم الإداري لسنة 1992، الذي اقتطع من ترابها جماعة أيت هادي وسيدي بوزيد، شهد إقليم شيشاوة قفزة نوعية، حيث تلمست المدينة طريقها نحو التنمية، وهذا ما يسترعي انتباه زائرها، إذ وقفت «تدبير» خلال زيارتها للمدينة على درجة من التمدن والتحضر، حيث أنعشت المشاريع التي أطلقها المجلس البلدي لشيشاوة بتنسيق مع عمالة الإقليم، آمال السكان المحليين في مستقبل أفضل للمنطقة يطوي كتاب عزلة طويلة عطلت استثمار مؤهلاتها الطبيعية والبشرية.

وتساهم هذه المشاريع التنموية، في تحسين المشهد الحضري للمدينة والإقليم بصفة عامة، حيث أبانت عما يزخر به إقليم شيشاوة من طاقات واعدة وخصوصيات ثقافية غنية ومتنوعة تجعل أبناء المنطقة يتطلعون إلى أن تتبوأ المكانة التي تستحقها إلى جانب باقي مناطق المملكة، وتنخرط أكثر في ما يشهده المغرب من نهضة تنموية على مختلف المستويات.

وخول الموقع الذي تحتله مدينة شيشاوة بين مفترق طرق حيوي، الطريق الوطنية رقم 8 الرابطة بين مراكش وأكادير، والطريق الجهوية رقم 207 الرابطة بين مراكش والصويرة، دورا تجاريا منذ القديم، حيث شكل سوق الخميس والمركز التجاري المشيد في مفترق الطرق منذ سنوات الاستقلال الأولى، نقط جذب مهمة وأهم مراكز تبضع بشيشاوة سواء لسكانها أو للمسافرين العابرين، ومع تحول شيشاوة الى بلدية، بدأت مراكز أخرى في الظهور وسط الأحياء القديمة وحتى الحديثة، من قبيل الحي المحمدي وحي النهضة، وبقراءة للأنشطة التجارية المزاولة، لاحظت «تدبير» هيمنة تجارة المواد الغذائية والتجهيز المنزلي والملابس، ورافق ذلك، أيضا، نمو قطاع خدماتي مهم وظهور خدمات جديدة كالوكالات العقارية والمطاعم. يمتد إقليم شيشاوة على مساحة إجمالية تقدر بحوالي 6872 كلم مربع، ويعتبر نقطة قوة لتنمية نشاط سياحي متطور، وتتوفر بلدية شيشاوة على نشاط خدماتي مزدهر يشغل يدا عاملة مهمة، ويرتبط بالسياح العابرين، ويتعلق الأمر بالمقاهي والمطاعم المنتشرة على جنبات الطريق الوطنية رقم 8.

ويتكون الإقليم من 33 جماعة قروية وبلديتين حضريتين، ولعل الموارد المائية الهائلة والأراضي الشاسعة والخصبة، التي يتوفر عليها الإقليم، جعلته خلال السنين الأخيرة قبلة للعديد من المستثمرين، مغاربة وأجانب، في المجال الفلاحي، وبالمخطط الأخضر الرامي إلى النهوض بالقطاع الفلاحي والاهتمام بالعالم القروي.

نشاط فلاحي متميز

› ينفرد إقليم شيشاوة بخصوصيات ومؤهلات طبيعية وفلاحية وصناعية مهمة جدا، حيث يتوفر الإقليم على قطاعات متميزة وواعدة تشكل دعامة أساسية للاقتصاد بالإقليم، ضمنها النشاط الفلاحي الذي تعزز، أخيرا، بفضل مشاريع وبرامج حكومية شجعت على الاستثمارات الخاصة، حيث تقدر تكلفة مشروع المغرب الأخضر بالإقليم 699.13 مليون درهم، تهم تربية النحل وسلسلة الزيتون ومشاريع التكثيف السقوي والمخطط الإقليمي لتطوير سلسلة اللحوم ومخطط العمل الخاص بالإعداد الهيدروفلاحي، كما يتوفر الإقليم على مؤهلات هامة في مجال السياحة الثقافية والتي ما زالت لم تستغل على الوجه الأكمل.

ولقيت مختلف المشاريع التي أنجزت أو التي يجري إنجازها بمدينة شيشاوة البعيدة عن مدينة مراكش بحوالي 75 كلم، وعن مدينة الصويرة بحوالي 100 كلم، وعن مدينة أكادير بـ 183 كلم، استحسانا كبيرا من طرف مجموعة من المواطنين، مؤكدين في حديثهم لـ»تدبير»، أن مدينة شيشاوة أصبحت تنتشي بوضعية اقتصادية واجتماعية، متميزة بفضل انخراط كل المنتخبين والفاعلين والمؤسسات في مسلسل التأهيل الحضري والتنمية المستدامة بالمدينة التي قطعت العهد مع مظاهر التهميش والإحباط.

وتندرج هذه المشاريع، في إطار تصور جديد يولي أهمية خاصة للتنمية المستدامة، كما تقوم على مقاربة شمولية تسعى إلى حماية البيئة والنظام الإيكولوجي بالمنطقة وترشيد استهلاك الماء والطاقة، وذلك تنفيذا للسياسة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، المبنية على القرب والحكامة الجيدة والمرتكزة على تعبئة كل الطاقات والموارد للنهوض بالتنمية البشرية وترسيخ ديمقراطية المشاركة. ونظرا للدور الرئيسي الذي يلعبه قطاع التجارة في الدينامية الاقتصادية المحلية بمدينة شيشاوة، فإن هذا القطاع في تطور مسترسل سواء على المستوى الأفقي أو المستوى العمودي، نظرا لتنوع أصناف التجارة من أجل تلبية الحاجيات، وكذا للتكامل بين هذا القطاع وباقي القطاعات المنتجة، كالفلاحة والصناعة التقليدية. ويتوفر إقليم شيشاوة على نسبة مهمة من التعاونيات في المجال الفلاحي، تهم مختلف سلاسل الإنتاج، كالحليب، واللحوم الحمراء، والعسل، والزيوت وغيرها. وبالرغم من الدور الذي تضطلع به هذه التعاونيات في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، فإنها لا تزال تعاني مجموعة من المشاكل التي تحول دون تحقيق الأهداف المسطرة في إطار مخطط المغرب الأخضر.

وتأتي سلسلة الزيتون في مقدمة الإنتاج الفلاحي بإقليم شيشاوة، حيث بلغ حجم الاستثمار 3.400.000 درهم ما بين 2011 و2015، همت مناطق أسيف المال، أداسيل، إمندونيت)، بالإضافة إلى عدد من السلاسل الفلاحية، التي مكنت الإقليم من تنويع منظومته الإنتاجية على المستوى الفلاحي.

وحسب المدير الإقليمي للفلاحة بمراكش المكلف بتسيير المديرية الإقليمية للفلاحة بشيشاوة، فإن مخطط المغرب الأخضر ركز على ضرورة الاهتمام بالعنصر البشري، إلى جانب الاستثمارات التي سيتم ضخها في القطاع، من أجل إنجاح المخطط. وأبرز، في هذا السياق، أن تكوين الفلاحين وتنظيمهم في إطار تنظيمات مهنية فلاحية يعتبر المنفذ الوحيد لتجاوز الإكراها.

صناعة تقليدية واعدة

› أكد عدد من الفاعلين الاقتصاديين في لقائهم مع «تدبير»، أن قطاع الصناعة التقليدية، يشكل أهم القطاعات المدرة للدخل لشريحة واسعة من السكان المحليين، ما يستدعي المزيد من الاهتمام لتطويره والرفع من جودته، مشيرين، من جانب آخر، إلى أن الإقليم يتوفر على مؤهلات مهمة في مجال السياحة الثقافية، التي ما زالت لم تستغل على الوجه الأكمل.  وحسب الباحث عبد العزيز أيت بنصالح، فإنه بالنظر إلى الخريطة الطريقية في شيشاوة، سنجد أن المحاور الرئيسية فيها تمتد على الشكل التالي، محور يربط بين مراكش وشيشاوة، عبر مزوضية واثنين لوداية، ومحور يربط شيشاوة بالشماعية عبر ثلاث إيغود، ومحور يربط الصويرة بشيشاوة عبر سيدي المختار وثلاث الحنشان، ومحور يربط شيشاوة بأكادير عبر إيمنتانوت، وهناك محاور تختفي وراء الطرق، أو تظهر عن يمينها، وعن يسارها، وهي وإن كانت لا تتعدى في شكلها مسالك نحتتها الحوافر والأقدام، فإنها تربط بين مختلف النقط، وعلى امتداد هذه الطرق والمسالك، يسجل حضور هام لتجارة العطارة، حيث يذهب العطارون ويعودون ممتطين دوابهم، ويحملون معهم البضائع والرسائل والأخبار. وأضاف أيت بنصالح، في لقائه مع «تدبير»، أن إقليم شيشاوة يتوفر، تاريخيا، على تعاونيات تابعة لوزارة الفلاحة، كما يتوفر على ضيعات لفلاحين يعتمدون بشكل أساسي على دوابهم، وهنا تطرح بعض المشاكل المتعلقة بالفلاح الشيشاوي، إذ يجد نفسه يعيش داخل ثنائية، إما مالك كبير يتوفر على مجموعة من الضيعات، أو بدوي فقير مغلوب على أمره.

وفي هذا الصدد، وقفت «تدبير» خلال زيارتها لمدينة شيشاوة على ضيعة فلاحية نموذجية مجهزة بتقنيات السقي بالتنقيط، تعتمد طريقة السقي الموضعي، تدعى «رياض شيشاوة»، توجد بتراب الجماعة القروية سيدي المختار، تبلغ مساحتها أزيد من 450 هكتارا، وتحتضن آلاف الأغراس من شجر البرتقال والخوخ، وتشغل أزيد من 250 عاملا بشكل دائم، بينما يرتفع عدد العاملين بها خلال جني ثمارها إلى 900 عامل.

مهرجان شيشاوة 

› شكل مهرجان شيشاوة السنوي، الذي تنظمه جمعية مهرجان شيشاوة، موعدا وملتقى للقاء العديد من الأسماء الثقافية والفنية والجمعوية من مختلف جهات المملكة، وموسما ثقافيا غنيا بندواته ولقاءاته، لمناقشة الواقع الثقافي والفني بالإقليم، وهو ما أعطى لمدينة شيشاوة تلك الميزة الجغرافية التي تميزها، باعتبارها ملتقى للطرق وفضاء للقاء والتعدد، وميزتها على المستوى السوسيو ثقافي أيضا، حيث تتعايش في منطقة شيشاوة، منذ قرون، وعلى أساس قيم التسامح والتعاون والتضامن، قبائل وجماعات عربية وأمازيغية وصحراوية. 

المعاصر السكرية

› أكدت بعض المصادر التاريخية أن مدينة شيشاوة تتوفر الآن على ثلاث معاصر للسكر، اثنتان بالقرب من زاوية بلمقدم، وواحدة في سيدي شيكر، وهو المعروف برباط شاكر، وتوجد المعصرتان على حافة المثلث المكون من الطرق المؤدية من الصويرة إلى مراكش، ومن شيشاوة إلى الشماعية ثم إلى آسفي، وتبقى زاوية بلمقدم، التي تبعد عن شيشاوة بـ5 كلم، العلامة الوحيدة التي بواسطتها يهتدي المرء إلى المعصرتين، اللتين شيدتا معا من لدن السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، وتأتيان في مقدمة قائمة معاصر السكر في مغرب القرن 16 الميلادي من حيث الإتقان وانسجام الوحدات ومن حيث التماسك، بالنظر إلى البراعة التي استخدمها المؤسسون في تشييد هاتين المعصرتين، وكذا الطريقة التي تم بها تجهيزها بالمياه، فضلا عن مزارعهما السكرية القريبة منهما وناعورتيهما وتسلسل وحداتهما التصنيعية.

وأوضحت المصادر ذاتها أن تشييد المعصرتين المذكورتين كان مسبوقا بتشييد غيرهما من المعاصر في سوس على عهد السلطان محمد الشيخ السعدي، والد السلطان أحمد المنصور الذهبي، وكذا في عهد السلطان عبد الله الغالب بالله وعددها عشرة.

وكانت الدولة السعدية تسير هذا المشروع الصناعي الضخم خلال فترة اشتغاله، حيث أولته عناية كبيرة، فتمكنت بذلك من السيطرة على أهم مصادر المياه بما فيها وادي شيشاوة، وخصصت أخصب وأوسع الأراضي لزراعة قصب السكر، كما سخرت لذلك أياد عاملة مختلفة ونشيطة. وكان العاملون في المعاصر الشيشاوية من الأسر الأوروبية، وكان الملتزمون بالبيع التجار الانجليز، ولهذا ناصب السكان العداء لهذا المشروع، إذ انتفض الشيشاويون على المعصرتين بعيد وفاة أحمد المنصور بستة أشهر، فخربت المزارع السكرية ومعاصرها وانهارت السلطة السعدية وانهار معها النشاط الاقتصادي في شيشاوة.

معاصر زيتون عصرية 

› بدأت معاصر الزيتون التقليدية تقفل أبوابها إتباعا لفائدة المعاصر العصرية أو نصف العصرية، هذه الأخيرة بدأت تنتشر بإقليم شيشاوة متجاوزة 15 وحدة.  جفاف الآبار وعمق الفرشة المائية مشكل آخر يعاني منه الزيتون بالإقليم، وضع يجعل الفلاح يطالب بالاستفادة من الدعم. وقد وصلت المساحة المغروسة من الزيتون في الإقليم 22 ألف هكتار، في إطار مخطط المغرب الأخضر، وهو مخطط يقوم على مساعدة الفلاحين. وحسب مصلحة الدعم والإرشاد بالمديرية الإقليمية للفلاحة بشيشاوة، فإن وزارة الفلاحة تقدم دعما في إطار صندوق الدعم الفلاحي، الذي يهم دعم الأغراس المدعمة بـ80 في المائة، وتشجيع خلق الضيعات الجديدة بدعم يصل إلى 5500 درهم للهكتار، وكذا دعم يخص تجهيز الضيعات بنظام السقي الموضعي. 

خدمات اجتماعية تتطور

› تتوفر بلدية شيشاوة على تصميم تهيئة يعود إلى سنة 1966، الذي بني بدوره على أساس مخطط التنمية المعد سنة 1953، وتعمل البلدية حاليا بدعم تقني من الوكالة الحضرية بإعادة تحيين هذا المخطط كي يستجيب للتحولات التي عرفتها البلدية، وكذلك لكي يضمن تنظيما محكما لمجالها، وتتوفر على 5 مؤسسات تعليمية حرة مرخصة تضم 20 قسما للتعليم الأولي موزعة على جميع الأحياء والدواوير التابعة للبلدية، إضافة إلى 6 مجموعات مدرسية للتعليم الأولي و6 فرعيات داخل تراب البلدية، ومؤسستين للتعليم الإعدادي والثانوي، ودار الطالب، وهي أقدم مؤسسة إيواء بتراب البلدية تسيرها الجمعية الخيرية الإسلامية، تأسست منذ سنة 1979، يستفيد منها 316 مستفيدا ومستفيدة من الجماعات المجاورة، وأيضا بعض طلبة التكوين المهني، وبدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تم خلق وحدة للتعليم العالي مسلك التقني العاليBTS.

كما تتوفر بلدية شيشاوة على معهد للتكنلوجيا التطبيقية أحدث سنة 2006 يستفيد منه أزيد من 239 تلميذا في مجموعة من الشعب (تسيير المقاولات، المحاسبة، فصالة وخياطة التبريد، كهرباء الإنشاءات، كهرباء البناء)، إضافة إلى تشييد مدرسة فلاحية.

وبخصوص الخدمات الصحية، تتوفر بلدية شيشاوة على مركز استشفائي إقليمي أحدث سنة 2001، ويسير بطريقة مستقلة، بطاقة إيوائية تبلغ 50 سريرا، ويتوفر على مختلف التخصصات.

 وبالإضافة إلى المستشفى الإقليمي، يوجد بالبلدية مركز صحي حضري يشتغل به 5 أطباء، وفضاء لصحة الشباب جرى تجهيزه من طرف صندوق الأمم المتحدة للسكان، وكذلك مكتب بلدي لحفظ الصحة ومستودع للأموات.

وتتوفر مدينة شيشاوة على مجموعة من التجهيزات، التي تجعل منها مركز استقطاب سكان المناطق المجاورة، من ضمنها مركز ثقافي يسيره المجلس الإقليمي، وقاعة مغطاة ومركب سوسيورياضي للقرب.

عبد الكريم ياسين موفد «تدبير» إلى شيشاوة
23 مارس 2015
للإستفسار طباعة