Tadbir.ma

ديكتاتورية أسواق المال

HAITAMI 53.jpg

رفْضُ اليونانيين في استفتاء شعبي لبرنامج الإعانات، الذي حاول تقنوقراط الاتحاد الأوربي فرضه على حكومتهم، شكل زلزالا قويا هز أركان الاتحاد الأوربي ومنطقة الأورو، وأحدث شرخا عميقا داخل مجتمعات دول أوربا، لأنه وضع الأوربيين أمام السؤال الحقيقي. أية أوربا يريد الأوربيون؟ هل أوربا التضامن  والتساكن والتعايش داخل فضاء فيه مكان للجميع؟ أم أوربا بمستويات مختلفة، فيها المهيمنون كألمانيا وفرنسا والناؤون بأنفسهم، الذين لم يثقوا أبدا في العملة الموحدة ومنهم إنجلترا والدول السكندنافية والغارقون في الوحل، وهم إسبانيا وإيطاليا والبرتغال وإيرلندا وطبعا اليونان والوافدون الجدد، كرومانيا وبلغاريا، الذين كانوا يتمنون أن يستفيدوا من الاتحاد الأوربي، كما استفاد السابقون فوجدوا أنفسهم مطالَبين بالمساهمة في الخسارات، التي تسبب فيها سابقوهم بحكم آليات التضامن الأوربي. 

لقد ولد الأورو بتشوه خلقي لا سبيل لمعالجته. كيف يمكن أن ننشئ عملة موحدة بين دول تختلف في تنافسيتها واقتصادياتها، بل حتى في طريقة تفكيرها؟ كلنا نعلم أن دول شمال أوربا تمتاز بالانضباط في الميزانية والمراقبة الدقيقة للانزلاقات، في حين أن دول جنوب أوربا معروفة بالتساهل وسوء ضبط الميزانيات والنفقات. لقد طالب حكام أوربا بالمتناقضات، فهم يريدون عملة موحدة دون تخلي الأعضاء عن سلطة قيادة الاقتصاد والتوازنات الماكرواقتصادية، وتركوا لكل دولة الحرية في اتخاذ القرارات، التي تروقها تحت ستار التزامات مثل نسبة العجز الأقصى، يعلم الجميع أنه يمكن التلاعب في أرقامها، بل تزويرها ومأسسة هذا التزوير بمساهمة وكالات التنقيط الدولية، كما وقع في اليونان. العملية تمت كما لو اتفق 19 شخصا على تكوين شركة بالتضامن مع حق كل واحد في السحب من صناديق الشركة، وإذا نفد ما في الصندوق، أمكنه الاقتراض لفائدته الشخصية بضمانة 18 شخصا الآخرين. 

مَن الرابح؟ إنها أسواق المال والمضاربون لأن لهم ضمانة دول أوربا، أما الخاسر الأكبر فهو المواطن الأوربي، الذي ضُربت قدرته الشرائية ويعاني البطالة في فضاء أوربي غير قادر على تجاوز الأزمة بنسبة نمو أقل من 1 في المائة، لدرجة أن الحلم الأوربي فقد لمعانه وظهرت قوى يمينية متطرفة في جل دول أوربا، يدعون بالمشككين في أوربا les eurosceptiques، الذين يطالبون بتفكيك الوحدة الأوربية والخروج من منطقة الأورو. قديما قال المغاربة إن المال السائب يُعلِّم السرقة. إنه ملخص للأزمة اليونانية مع أوربا والأورو.

محمد الهيتمي
15 يوليوز 2015
للإستفسار طباعة