Tadbir.ma

تنغير .. قلعة السياحة والحرف التقليدية

tanghir.jpg
شكلت تنغير، عبر التاريخ، موطنا للتعايش، وقلبا مفتوحا لكل عشاق الجمال والطبيعة. تقع جنوب شرقي البلاد بين جبال الأطلس الكبير وجبال الأطلس الصغير. اشتهرت بمضايق تودغا، التي يزورها السياح من مختلف بقاع العالم. تكتنز واحاتها الممتدة على الوادي عبق التاريخ ونولستالجيا الزمن الشاهد على حسن تعايش المغاربة المسلمين واليهود، حيث كانت موطنا للتجارة الحرفية والصناعية، التي تمزج بين الأصول الحسانية والأمازيغية والعبرية والعربية.

يعود أصل اسم "تنغير" إلى جبل "إيغير"، وهذه الكلمة تعني الكتف بالأمازيغية. بعد ذلك سيتحول اسم المدينة من "تين" "اغير" إلى تنغير، التي كانت في القديم تسمى "تودغت". تقول الرواية الشفوية المتواترة إن إحدى السيدات نزلت من الجبل إلى الواحة لسقي مشيتها بالوادي، التي تسمى "تودغة"، وهو تحريف لكلمة "تودرت"، التي تعني "الحياة"، فاستقرت بها ولم تعد إلى مقر سكناه الأول في الجبل. ومن ثمة بدأ الناس يستقرون بهذه المنطقة.

بساطة السكان

› يتنوع سكان مدينة تنغير الناطقين بالأمازيغية بين قبائل آيت تودغت المستقرة في مناطق تودغا العليا والوسطى والسفلى، حيث يقع مجال آيت عطا في المناطق الجنوبية الشرقية للمغرب الأقصى على مشارف الصحراء الكبرى، وآيت «مارغاض» اللذين يشكلون نسبة قليلة مقارنة بالأوائل وهم ينتمون إلى حدود تافيلالت.

وتسم إيقاع الحياة بالبساطة والسلاسة إلى جانب علاقات اجتماعية سيمتها روح التضامن والتعاون، تحتل المرأة فيها مكانة رفيعة كمساعدة للرجل ومتحكمة في كل شيء في المنزل وسلطة تقريرية وتنفيذية مهمة، تتجسد في احتفاظها بمفتاح بيت الخازنة وتسييرها لأمور العائلة بكاملها لما تتميز بها من الحكمة والعبرة والصلابة.

  كما يتميز أسلوب عيش السكان بالبساطة التقليدية مع ترقيعه ببعض التغيرات العصرية، علاوة على الطابع التضامني الذي يطغى عليهم، ويظهر ذلك من خلال موسم الحصد «تمكرا»، كما يمتاز سكان تنغير بالكرم وحسن الضيافة وعزة النفس، التي تعد من شيم الأمازيغ المعروفة. 

كما يتميز سكانها بالتفاني في العمل واتحادهم في مواجهات المصائب والمشاكل التي تصادفهم.

قبلة سياحية 

› تعد تنغير من أهم المواقع السياحية الجبلية والقروية في المغرب، حيث أصبحت في الآونة الأخيرة قبلة للسياح الأجانب، الذين يفدون إليها من كل صوب للاستمتاع بجمالها الطبيعي وإرثها والثقافي، ومن أشهر المواقع الموجودة هناك مضايق تودغا، وواحة النخيل الخلابة التي تكسوها الشامخة، وبحيرة السمك المقدس والقصبات والداواير، بالإضافة إلى الجبال. كما تعتبر تنغير من بين المدن الجنوبية، التي تستقطب عددا كبيرا من السياح المغاربة والأجانب، نظرا لوجودها بموقع استراتيجي مهم، تتخلله مناظر طبيعية على رأسها مضايق تودغا، التي تستهوي الزوار، إذ توجد به قمم الجبال العالية التي يبلغ علوها 2299م، والتي تجذب عشاق رياضة تسلق الجبال ومحبي المغامرات اللذين يجدون ملاذهم في هذا المكان الطبيعي الجميل، إلى جانب توفر المكان على فنادق ذات طابع عصري ومنازل للإيواء ذات طابع تقليدي. تستقطب مضايق تودغا سياح العالم بكل أجناسهم، خصوصا الفرنسيون، والبرتغاليون، اليابانيون والإسبان، الذين يقبلون على هذه المنطقة بكثافة بمناسبة أسبوع عيد الصفح، الذي يحتفل به الإسبان كل عام، حيث يفضلون قضاء عطلة هذا العيد في السفر والاستكشاف والتنزه. وترتفع نسبة السياح بهذه المنطقة في فصلي الربيع والصيف، حيث يكثر الرواج وتنشط الحركة في مجال الفندقة والتجارة.

مبادرة التنمية  

› بلغ عدد المشاريع المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على مستوى إقليم تنغير، برسم الفترة الممتدة ما بين 2010-2005، حسب معطيات توصلت بها «تدبير» من عمالة الإقليم، أكثر من 339 مشروعا بغلاف مالي إجمالي يفوق 129,7 مليون درهم ساهمت فيه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بحوالي 91 مليون درهم لفائدة 230 ألف مستفيد ومستفيدة. ففي سنة 2005، تم إنجاز 3 مشاريع بمبلغ يناهز 1,2 مليون درهم، لفائدة حوالي 2000 مستفيد، همَت مجال التعليم والتزود بالماء الصالح للشرب، وبرسم سنة 2006 تم إنجاز 123 مشروعا، بمبلغ إجمالي ناهز 30,1 مليون درهم  لفائدة 72 ألف مستفيد، أما سنة 2007 فقد بلغ عدد المشاريع المنجزة 78 مشروعا، بمبلغ إجمالي ناهز 28.3 مليون درهم، إذ بلغ عدد المستفيدين حوالي 185 ألف مستفيد ومستفيدة، أما خلال سنة 2008 وصل المشاريع المنجزة بلغ 66 مشروعا، بمبلغ إجمالي ناهز 22,2 مليونا لفائدة حوالي 125 ألف مستفيد، وبرسم سنة 2009 فقد تم إنجاز 19 مشروعا، بمبلغ إجمالي ناهز13,9 مليون درهم ساهمت لفائدة 35000 مستفيد ومستفيدة، وبرسم السنة الأخيرة (2010) من الفترة الأولى، فقد بلغ عدد المشاريع المنجزة 50 مشروعا، بمبلغ إجمالي ناهز33,9 مليون درهم لفائدة حوالي 220 ألف مستفيد.

كما عرف إقليم تنغير تحولات في شتى المجالات، خاصة بعد تعيينه سنة 2009 كعمالة مستقلة عن إقليم ورزازات، في خطوة مهمة نحو  التقدم والازدهار، ليشهد الإقليم أورش عمل ضخمة أشرف عليها ثلاثة عمال منذ إحداث الإقليم إلى يومنا هذا، على رأسها القنطرة الحلم، الذي راود سكان تنغير الذين يعانون كل فصل شتاء من انقطاع الطريق، بالإضافة إلى مشاريع تنموية أخرى كتعبيد الطرق وتوفير الإنارة لها، خاصة الطريق المؤدية إلى مضايق تودغا والطرق الرابطة بين تنغير وبومان دادس، إلى غيرها من المشاريع التي تسعى إلى تطوير المدينة والأخذ بها إلى الأمام وجعلها مواكبة مسلسل للتطور، الذي يسلكه المغرب في إطار الجهوية اللامركزية والدفع بعجلات التنمية في الأوساط القروية والحضرية، لتصير تنغير كباقي المدن ترسم مستقبلها ومستقبل أبنائها وتخطو خطوات العصرنة والتقدم. أما المرحلة الثانية2015-2011  من هذه المبادرة فارتكزت على ثلاثة مبادئ رئيسية تهم تعزيز تجذر فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتلاؤم مع أسسها، والاحتفاظ بالبرامج الأربعة للمرحلة الأولى، واعتماد برنامج طموح جديد مخصص للتأهيل الترابي لفائدة سكان المناطق الجبلية التي تعاني العزلة، حيث انخرط إقليم تنغير بكل مكوناته من سلطات إقليمية ومحلية ومنتخبين ومصالح خارجية وفعاليات المجتمع بكل وعي ومسؤولية من اجل بلورة التوجهات الكبرى للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي حققت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إنجازات كمية ونوعية مهمة، سواء من حيث عدد المشاريع التي تم تنفيذها أو من حيث توسع دائرة المستفيدين منها، أو من حيث تنوع المجالات التي استهدفته. 

وتمحورت تدخلات المبادرة حول مجالات حيوية متعددة، مثل الصحة، والتعليم، والفلاحة، والصناعة التقليدية، والتنشيط السوسيو ثقافي والرياضي، والتكوين المهني والبنيات التحتية، من ماء صالح للشرب وطرق قروية وكهربة وخدمات اجتماعية أساسية ومجال الأنشطة المدرة للدخل، ولعل ما يميز الفترة الثانية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أعطى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، انطلاقتها يوم 04 يونيو 2011 بمدينة جرادة، إضافة إلى برنامج خامس يهم التأهيل الترابي، لفائدة المناطق الجبلية أو صعبة الولوج، بهدف تحسين مستوى عيش سكان المناطق الجبلية أو صعبة الولوج، وتقليص الفوارق في مجال الولوج الى البنيات التحتية الأساسية، وإدماج السكان المستهدفين في الدينامية التي أطلقتها المبادرة، حيث تم استهداف 22 إقليما على الصعيد الوطني، من بينها إقليم تنغير وحوالي مليون مستفيد يقطنون في 3.300 دوار تابع لـ503 جماعات قروية جبلية أو صعبة الولوج، بغلاف مالي يناهز 5 ملايير درهم.  

وعلى صعيد إقليم تنغير فيبلغ عدد المشاريع المبرمجة في هذا الإطار 337 مشروعا بغلاف مالي يناهز  239 مليون درهم لمدة 5 سنوات، موزعة على قطاع التعليم بحوالي 21 مليون درهم تخصص لبناء 165 مسكنا للأساتذة بالعالم القروي، وقطاع الصحة  بحوالي 5 ملايين درهم لبناء 11 مسكنا وظيفيا واقتناء سيارتي إسعاف وتشغيل ثلاثة مستوصفات قروية بكل من  تزكي، سرغين واوسيكيس، وكذا قطاع الطرق والمسالك عبر تخصيص غلاف مالي يناهز 124 مليون درهم لترميم وبناء ما يناهز 80 كلم من الطرق والمسالك القروية، وكذا قطاع الماء الصالح للشرب ب 34,8 مليون درهم لتزويد 36 دوارا بالماء الصالح للشرب، وقطاع قطاع الكهرباء بـ77,5 مليون درهم لربط حوالي 3000 كانون تابع لـ125 دوارا، إضافة إلى ذلك، شهد إقليم تنغير  خلال المرحلة الثانية من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إنجاز مجموعة من المشاريع  التنموية التي تهدف إلى دعم الأنشطة المدرة للدخل وتحسين الولوج إلى الخدمات والتجهيزات الأساسية والتنشيط السوسيو ثقافي والرياضي وتعزيز القدرات المحلية والحكامة الجيدة. وتعد حصيلة إنجازات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالإقليم إيجابية ومهمة، حيث بلغ عدد المشاريع المنجزة أو في طور برسم الفترة الممتدة ما بين 2014/2011 ما مجموعه 472 مشروعا، يهم البرنامج الأفقي، والقروي، ومحاربة الإقصاء الاجتماعي ثم محاربة الهشاشة، بغلاف مالي إجمالي يفوق 229,3 مليون درهم ساهمت فيه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باكثر من 122,6 مليون درهم لفائدة حوالي 230 ألف مستفيد ومستفيدة.

تقاليد تنغير 

› تحمل عادات وتقاليد الزواج بتنغير حمولة ثقافية واجتماعية ودينية خاصة، كنظيرتها بالجنوب الشرقي، لما لها من سمة مميزة تعبر عن قيم أصيلة بالمنطقة، وتضفي ظروف البيئة الطبيعية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان في هذه الأقاليم، في ارتباط مع محيطه وخصوصيات هذه الطقوس سواء في طابعها الاحتفالي وفي الممارسات الاجتماعية المرتبطة بها، سواء تعلق الأمر بالمشهد الاحتفالي أو بأنماط السلوك والعادات المتبعة، وتكتسي الأعراس وحفلات الزفاف مكانة بارزة لما تعبر عنه من إرث ثقافي رمزي ومادي في المنطقة لإبراز مكانة وإمكانيات العائلة المعنية بأكملها، حيث كانت هذه المناسبات تتم في ما مضى بشكل تشاركي وجماعي وباهتمام وعناية فائقة، نظرا لكونه يهم الجماعة بأكملها، ليس فقط العائلة حيث تتم المشاركة في جل أطوار ومراحل الزواج، بدءا بالخطوبة ثم الذبيحة، كما يتم تقديم جميع الأجهزة لأهل العروس.  وكانت الأعراس تبدأ خلال فصل الربيع حيث يكون الجميع قد اطمأن على مردودية السنة الفلاحية، ومباشرة بعد جمع المحاصيل الزراعية، وخلال هذه الفترة العملية يقدم أهل العريس مصحوبين بالأقارب وأهل الدوار ما اتفقوا عليه لأهل العروس، ويقام حفل بالمناسبة «الذبيحة»، حيث يتم إطعام أهل الدوار والوافدين مع أهل العريس، وبعد هذه العملية يتم الاستعداد والتحضير للعملية الموالية المتمثلة في العرس، التي تنطلق عادة بعد يوم السوق الذي يتم من خلاله اقتناء جميع مستلزمات المناسبة لتنطلق الدعوات بشكل مباشر من قبل أب العريس، حيث يتحتم عليه أن يذهب شخصيا هو وزوجته لدعوة المدعوين لحضور المناسبة.

موطن للتعايش

› أبرز الباحث الاعلامي محمد آيت حساين في حوار مع «تدبير»، أن منطقة تنغير تعد أبرز المناطق الأمازيغية، التي شهدت حضورا يهوديا متميزا، دام تاريخا عريقا وترك بصمات لا تمحى، حيث مارس اليهود التجارة وتحكموا في دواليبها بفضل مهارتهم وتجربتهم العريقة في هذا الميدان، ومازالت ذاكرة بعض التجار الذين عاصروا الأجيال الأخيرة من اليهود، تحكي عن «هارون»، التاجر الذي يشتري مادة الزيت بالمنطقة ثم يذهب بها إلى بومالن دادس حيث يكلف أحد أصدقائه من المسلمين ببيعها مقابل اقتسام الربح. وتؤكد الرواية الشفوية على أن اليهود كانوا يكتفون فقط بالتدبير والتسيير فيما تُسند مهمة البيع والشراء إلى أصدقائهم من المسلمين. كما وقفت الرواية الشفوية عند صيغ التعاون والتضامن بين الشرائح الاجتماعية اليهودية، وكذا ما يعرف بـ»إمراطن» وهو نوع من التجارة، إن لم نقل بأنه ممارسة بنكية. وتعني أن اليهودي يقرض النقود للمسلم مقابل الحصول على غلة العام من شعير أو قمح أو غيرها من المواد الفلاحية، إذا حصل عدم توفر المسلم على النقد لتسديد الدين، كما تحكي الرواية ذاتها أن الأغنياء اليهود كانوا يعطون الأضحيات للمحتاجين الذين لا يستطيعون ابتياعها، لظروف أو لأخرى، في الأعياد وغيرها من المناسبات، على شكل سلف إلى أن يتوفر المدين على النقد فيقوم بالتسديد.

وارتبطت الحرف التقليدية بعامة الناس من اليهود، فمنهم من تخصص في صناعة الفخار أو الدباغة أو الجلود أو الخرازة وصنع الأحذية والخياطة، إما داخل بيوتهم أو في دكاكين صغيرة أو تحت الخيام في الأسواق الحضرية والقروية، وأحيانا يمارسون تلك الحرف والمهن في الهواء الطلق، وقد ارتبط وجود اليهود بمنطقة «تودغا» بحرفة الدباغة والخرازة واللحامة والرباطة (تازلغا باللغة بالأمازيغية) وإسكسا (آلة يدوية تستعمل في عزل الجيد من الصوف لاستعماله في النسج). كما تعاطى اليهود كذلك لصناعة البرادع والوسائد والأحذية وإصلاحها. ومن المعروف أنهم يعتمدون في مزاولة مثل هذه الحرف على تقنيات جمالية وفنية عالية كالنحت والنقش والقطع وغيرها.

كما تمكنوا من تنويع أشكال الخواتم والأحزمة سواء كانت من الذهب أو الفضة أو الأحجار الكريمة أو الزجاج الملون. واستقر اليهود بتنغير في عدد من المناطق، من أبرزها الملاح، والمدرسة اليهودية، وبعض الدواوير، كدوار «أسفالو» ببلدة تنغير، ومركز البلدة.

تنغير: أسامة العوامي التيوى
18 مايو 2015
للإستفسار طباعة