Tadbir.ma

تلقن أصول الصنعة من يدي الإيطالي جوفاني والتونسي البشير الكونجي

محمد الغالي: من زاكورة إلى تأسيس وحدة لصناعة «السفايف والبرشمان» تشغل 14عاملة وعاملا

zagoura.jpg
تعلق محمد الغالي بوالده منذ الصغر، ومال دائما إلى تقليده في كل ما يفعل، كما أحب دائما أن يصاحبه في كل سفرياته وانتقالاته، خصوصا في المناطق التي كان يتردد عليها الوالد، حيث الأصدقاء والأحباب، بنواحي اكدز، وورزازات، وتمكروت.

› في زاكورة رأى محمد الغالي النور، وفي هذه المنطقة التي مازال أهلها يحافظون على التقاليد والعادات المتمثلة في طقوس الاحترام وإكرام وفادة الزائر والغريب ترعرع الغالي، ورأى بأم عينيه كيف أن والده يكرم الضيف ويمسح الأحزان عن الجيران والأقارب، كلها صفات ترسخت في الطفل محمد، الذي فضل ذات يوم أن يبحث عن نفسه بعيدا عن زاكورة. وهو ابن الثالثة عشرة، سينتقل إلى مدينة الدارالبيضاء التي شهدت طفرة عمرانية منتصف الستينيات، شمر الغالي على ساعديه، ورسم خطة جديدة لبناء مستقبله، تاركا الأب والإخوة والعشيرة في زاكورة، رغم أن والده كان يتعاطى للتجارة، فضل الغالي أن يحقق ذاته في الدارالبيضاء.

كانت سنة 1967 سنة مغادرة زاكورة، وكانت الدارالبيضاء في تلك الفترة يقول محمد الغالي، لمجلة «تدبير» المدينة التي يقصدها الجميع لبناء أحلامهم وتحقيق رغباتهم. في البداية اشتغل في محل لصياغة المجوهرات وتحديدا الذهب، إلا أنه سرعان ما غادر الورشة بحثا عن آفاق أرحب، وقصد معملا للنحاس، ومكث به زمنا قصيرا قبل أن يفكر في تغيير الأجواء والحرفة معا، في هذا الوقت يحكي الغالي ابن مدينة زاكورة أن مدينة الدارالبيضاء كانت قبلة للتجار والمهنيين والباحثين عن الشغل، بمؤهلاتها ومصانعها المختلفة، وهناك عامل مهم ساهم في ذلك يتمثل في مجموعة من المؤهلات، كالشبكة الطرقية المهمة والتي يمكنها أن تلعب دورا مهما في تنمية قطاع النسيج والتجارة والاقتصاد.

يقول الغالي إن أول خطوة له بقطاع النسيج كانت سنة 1969، حيث وجد نفسه وذاته في مصنع للنسيج، لم يعد يتذكر اسمه إلا أن ذاكرته أسعفته في استحضار شخصيتين أثرت فيه كثيرا واشتغل بجانبهما وتتلمذ على يديهما وهما البشير الكونجي، الرجل الطيب الذي يتحدر من تونس، والذي وجد فيه الأخ والأب والصديق، ولقنه مبادئ الحرفة وكان ينقله من آلة إلى أخرى، أي (مكينة إلى أخرى)، حتى أصبح يتقن عمله باحترافية، ورجل آخر له طريقة خاصة في التعامل مع العمال، والاحترام الذي يكنه للجميع، إنه الإيطالي جوفاني، علما أن هذه الصنعة دخلت إلى المغرب في جانبها الحداثي والتطويري من إيطاليا وفرنسا، البلدين المشهورين بهذا النوع من النسيج المتمثل في «السفايف» و»البرشمان»، وله تسمية واحدة وهي باللغة الفرنسية» la passementrie».

 

البحث عن الذات

في سنة 1987 فكر محمد الغالي في إنشاء وحدة إنتاج بمجهوده الخاص، اختار لها اسم "كالون المسيرة" وبعد دراسة معمقة للسوق ومتطلبات المعمل المتخصص في صناعة السفايف والبرشمان، اقتنى مجموعة من الآلات كلها مستعملة، وشمر على ساعديه وبدأ رحلته في عالم النسيج بـ6 عمال وعاملات. بحي الهدى وتحديدا في الزنقة 12 بشارع مقداد الحريزي بالدارالبيضاء كانت أول تجربة له في سلم النجاح، فرغم صعوبة البداية والمنافسة، استطاع الغالي أن يفرض ذاته في السوق، وبدأ منذ تلك الفترة يقول لـ" تدبير" يبحث عن الزبناء رأسماله في ذلك الجودة والإتقان والصنعة، فضلا عن الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة، مدركا أن التميز كل لا يتجزأ، وأن من يتميز سلوكا وأخلاقا لابد أن يكون متميزا بطبعه في جميع أعماله، وأكثر ما يميز المقاول الناجح هو قدرته على تحمل الصعوبات والمعوقات وقدرته على مواجهة ما يقابله من تحديات.

يقول محمد الغالي رغم العوائق والصعوبات التي واجهتنا خلال سنوات التأسيس، إلا أننا استطعنا، والحمد لله أن نواجهها بالصبر، بل أننا استطعنا أن نتعايش مع المصاعب، حتى أصبحت شيئا عاديا نألفه ونتعود عليه، ومن هنا لم نكن نترك لأية مشكلة تواجهنا أن تربك خططنا أو تحولنا عن أهدافنا، وأصبحت معايشة المشكلات والتعايش معها جزءا من إيقاع عملنا اليومي، وأصبحت مواجهة المعوقات والمصاعب والتغلب عليها مكونا أساسيا من خبراتنا وتجاربنا التي أضافت لنا الكثير من المهارات والقدرات في معاملات السوق.

المعمل اليوم يجمع 14 عاملا وعاملة، يوضح الغالي، منهم من يتكلف بالتسيير الإداري، وكل فرد في المجموعة يعرف ماله وما عليه، نحن، يقول صاحب المعمل، نشتغل كخلية نحل، في احترام تام بين الجميع، وعن معاملته يؤكد أن الاحترام شرط في المقاولة الناجحة، إلى جانب التعامل مع العمال بطيبوبة وحثهم على العمل بكل تفان وإخلاص، لأن استمرار المقاولة أو المصنع أو المعمل، أو أي وحدة إنتاجية، هي من استمرار العاملين وتفانيهم في عملهم اليومي، وفي معاشهم ومعيشتهم، لأنه بكل بساطة يؤكد الغالي أننا جميعا نعمل من أجل الصالح العام، ومن أجل أن نكون رقما في النهوض بإنتاج البلد وباقتصاده، فحين تنظر إلى اليد العاملة التي تشتغل في هذا المعمل، فهي مؤهلة ومدربة، وفي الوقت نفسه تعيل أسرها ومنها من فتح منزلا ويعيل أسرته من عمله في هذه الوحدة النسيجية، لافتا إلى أن العامل أو العاملة قبل أن يصبح عنصرا في عملية الإنتاج لا بد أن يمر من تدريب على الآلات، وحين يتقن عمله تصبح له مكانة خاصة في المعمل. في حديثه لمجلة "تدبير"، يتأسف الغالي على مجموعة من أرباب المعامل في قطاع النسيج الذين أفلسوا لأنهم لم تكن لهم دراية كافية وخبرة في الميدان، خصوصا في قطاع يشهد يوما بعد يوم منافسة حادة وغير شريفة. وحسب الغالي فإن مفاتيح نجاح المقاولة رهين بوضع رؤية جديدة للتنافسية الاقتصادية، وتحسين أداء وظائفها واستيعابها للتكنولوجيات الحديثة، مؤكدا أن المقاولة لكي ترفع من تنافسيتها يجب أن تواكب وتتكيف مع التطورات التي يشهدها العالم في هذا المجال.

ويؤكد الغالي أن النجاح هو أفضل ثمرة يمكن أن يجنيها الإنسان من الإخلاص في عمله، مشيرا الى أن شباب اليوم يؤمن بأن النجاح والغنى مرتبط بالإثراء غير المشروع وهذه فكرة خاطئة، إذ يجب أن نشرح لشبابنا أن النجاح ممكن إذا كان هناك طموح وعزيمة، وأن نجاح أي مقاولة أو مصنع أو معمل أو وحدة إنتاج مرتبط بعزيمة الشخص وطموحه وليس له علاقة بلونه أو جنسه أو عاداته وتقاليده، لأنه سيمكن الشباب من أن يفتح عقله جيدا كي يستقبل تجارب وتقنيات جديدة من أجل إنجاح المقاولة أو المعمل. وخلص الغالي في لقائه مع "تدبير" أن الإنسان الناجح هو من يسمع للآخرين، مبرزا أنه دائما يسترشد بمقولة أبيه، التي يجعلها كدرس في حياته، ومفادها" ليس لك أعز من الناس الذين يعلمونك ويكونونك، ومن ينيرون لك طريقك بالنصح والاستشارة، ويشجعونك"، ومن أجل النهوض بمعمله والبحث عن الجديد في عالم النسيج يسافر الغالي إلى الديار الأوروبية كفرنسا للاطلاع على جديد هذه الحرفة، خصوصا أن هذا القطاع يحتاج دائما إلى أفكار جديدة، وإلى الابتكار، فرغم أنه يملك تجربة تزيد عن 40 سنة في الميدان، فإن الغالي دائم الترحال وربط صداقات في الخارج والداخل للتداول في أمور هذا النوع من النسيج المتخصص في السفايف والبرشمان وما شابههما من الستائر، ولهذا تراه يشارك في معارض في ألمانيا، وبلجيكا، فضلا عن معارض في الدارالبيضاء. 

محمد فنساوي
09 يناير 2015
للإستفسار طباعة