Tadbir.ma

الوفاء بالعهد

كل الدراسات تؤكد أن أسس الاقتصاد العالمي وأسواق المال العالمية والمعاملات التجارية في العالم المعاصر، مبنية على مبدأ الوفاء بالعهد واحترام الالتزامات في ميدان الأعمال، بحيث أن أساتذة الاقتصاد ورؤساء المقاولات العالمية البارزين ووزراء المالية يشددون على أهمية التقيد بالالتزام وعدم الرجوع عنه، ولو كان مُكَلِفا لأن خسارة مؤقتة خير وأقل فداحة من خسارة المصداقية أو السمعة.

ومع توالي الأزمات الاقتصادية الناجمة عن جشع الأسواق والمضاربات الفاحشة وظهور ما يسمى بالفقاعة المالية (bulle financière) أي العمليات العابرة للحدود غير المبنية على أصول حقيقية ثابتة، تطورت تيارات تُداِفع عن مبادئ الأخلاقيات في المعاملات (Ethique dans les affaires).

إلا أن المثير للانتباه أن ديننا الحنيف فطن إلى هذه المخاطر وسَنٌ قواعد أثبتت نجاعتها إلى يومنا هذا، لأنها مبنية على طبيعة الإنسان وفطرته التي تلازمه على مر العصور. ماذا يقول الإسلام في هذا السياق؟ هناك آيات قرآنية عديدة وأحاديث نبوية تؤكد الأهمية القصوى لاحترام العهود والمواثيق، بل إن الإيمان يتوقف عليها. والوفاء يلازمه الصدق ويقابله الغدر والكذب.

يقول الرسول (ص) (آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف وإذا حدٌث كذب وإذا اؤْتُمِن خان) وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون) سورة الصف (الآية 2)، وقوله عز وجل (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا) سورة الإسراء (الآية 34)، وقوله جل جلاله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) سورة المائدة (الآية 1)، ويقول سبحانه (إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يُوَفٌون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) سورة الرعد (الآية 19)، ويقول جل علاه (والموَفٌون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين) سورة البقرة (الآية 177)، و قوله تعالى (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا).

وما زالت لدينا آيات أخرى وأحاديث سنعود إليها لاحقا. ونروي للقارئ قصة رائعة عن محمد بن إسماعيل المعروف باسم الإمام البخاري، الذي كان يمارس التجارة، أنه جلب سلعة فجاءه بعض التجار مساء وساوموه عليها بربح خمسة آلاف درهم.

فقال لهم انصرفوا الليلة، فَجَاءَه صباحا تجار آخرون سمعوا بوصول السلعة، فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف درهم لكنه َرَدٌهم رافضا وقال: إني نويت البارحة أن أبيعها للأولين. وأضاف "لا أحب أن أَنْقُضَ نِيَتِي. فلنتمعن في هذا الورع والإيمان. فلو باع الأمام البخاري بربح عشرة آلاف درهم لم يكن آثما، لأنه لم يَعِدْ تُجار البارحة لكن بمجرد أنه نوى بَيْعَهم، اعتبر أن لهم حقا في السلعة، وإِنْ لم يكن لهم علم بِنِيٌتِه.

ونختم بقول الشاعر: إذا قُلْتَ في شيء "نَعَمْ" فَأَتِمٌهُ فإنٌ "نَعَمْ" دَيْن على الحر واجبُ وإلا فَقُلْ "لا" تَسْتَرِحْ وتُرٍحْ بها لِئَلا يقول الناسُ إنك كاذبُ: نتابع في الأسبوع المقبل

قانون تشريعي
28 أغسطس 2014
للإستفسار طباعة