Tadbir.ma

المبادئ العامة للتمويل الإسلامي والإضافات التي سيقدمها 34

FIKH50.jpg

  بعد حديثنا عن تعريف البيع ومشروعيته ومختلف تقسيماته، نتحدث اليوم بحول الله تعالى وقوته عن أركانه والتي هي ثلاثة، ومن فهم هاته الأركان واستوعبها سيتمكن من التفريق بين البيوع الجائزة والأخرى المحرمة، وأركان البيع هي ثلاثة: الصيغة والعاقدان (البائع والمشتري) والمَبيع (السلعة والثمن)، الصيغة:

والصيغة هي التي تُعَبِر عن إرادة المتعاقدين -البائع والمشتري-، وقد فرق الفقهاء بين الإرادة الظاهرة (الألفاظ الصادرة من المتعاقدين) والإرادة الباطنة (نية وقصد المتعاقدين)، فإذا توافقت الإرادتان كان العقد صحيحاً شرعياً لا خلاف فيه، 

وتتكون الصيغة من أمرين هما: الإيجاب والقبول، ويُشترط فيهما:   

• وضوح الإيجاب والقبول،--فلا شُبهة فيه ولا لبس--   

• توافق الإيجاب والقبول،--فهما يتحدثان عن نفس الموضوع وعن نفس المعاملة--    

• اتصال القبول بالإيجاب   

• جزم الصيغة أي لا تردد فيها:  

• الهزل: فعبارة الهازل لا تصح لإنشاء عقد من العقود لأنه لم يقصد إبرام أي عقد--لانتفاء الإرادة الباطنة--  • المواطأة: فالمواطأة لا تدل على إنشاء العقود حقيقة، فيكون العقد في ظاهره صحيح بينما تكون الإرادة الباطنة أو نية المتعاقدين على خلاف ذلك-- كما يقع في ''بيع النجش''(الذي تحدثنا عنه في مقال سابق) وهو الواقع في كثير من أسواقنا حيث يتظاهر مجموعة من السماسرة بالتعاقد على أحد السلع فيرفعون ثمنها ويمدحونها، وذلك بُغية إيقاع الزبائن في الفخ، وهو محرم، ومن المواطأة ما جوزه بعض العلماء للضرورة ''كبيع التلجئة'' حيث يتفق طرفان على إنشاء عقد بيع صوري والغرض الأساسي من العقد هو خوف صاحب السلعة من سرقة سلعته أو غصبها فيلجأ إلى صاحب النفود والقوة ويبيعه السلعة أو العقار حتى ينصرف الخطر عنه،-وكان منتشرا في القديم في المناطق التي يوجد فيها قُطاع الطرق والظَلَمَة-،''بَيع الوفاء'' وهو بَيع يتفق فيه الطرفان على إعادة السِلعَة والثمن بعد فترة محددة، مثالها: أَبِيعُك هذا الهاتف بشرط أني إذا أرجعت إليك الثمن بعد ثلاثة أشهر أعدت إلي هاتفي، وهذا غير جائز لمخالفته لمقتضى البيع التي يستلزم حرية التصرف...  والرضا هو أساس صحة العقود، قال الله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَة عَنْ ترَاضٍ مِنْكُم)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وقال صلى الله عليه وسلم:’’إنما البيع عن تراض’’، وهناك أنواع من البيوع انتفت فيها الإرادة الظاهرة، لكنها جُوِزَت لوضوح رضا المتبايعين، منها بيع المُعَاطَاة أو ما يُطلِق عليه فقهاء المالكية ''بِبَيعَة أهل المدينة''، وهو أن تأخذ سلعة دون كلام أو إشارة...، ثم تضع الثمن في مكانه وتنصرف، وقد وقع خلاف بين الفقهاء قديما حول جواز هذا النوع من البيع لغياب الإيجاب والقبول، ولعل هذا الخلاف قد رُفع اليوم لانتشار هذا النوع من البيع في الأسواق الممتازة.  ولرضا المتعاقدين عيوبا لا ينعقد العقد بوجودها وإن كانت الصيغة صحيحة وهي ما يطلق عليه بـ''عيوب الرضا''، ومن بين هاته العيوب: 

• الغلط: أن يتوهم المتعاقد شيئا مخالفا للواقع من تلقاء نفسه دون وقوعه تحت تأثير خديعة أو تغرير من الطرف الثاني.  

• الغش والتدليس: أن يتم التدليس على المشتري والكذب عليه بخصوص السلعة فيُقَالُ له مثلا أن الهَاتِفَ مصنوع في اليابان وهو في الحقيقة صنع محلي.  

• الإكراه: فإكراه شخص على إنشاء عقد من العقود لا يصح، فالشخص المُكْرَه على إبرام عقد هو في ظاهره قابل له، وفي الباطن غير قابل، فإن عُلم أنه مكره فالعقد لا ينعقد ولا يترتب عنه شيء.  قصة: نذكر في هذا الصدد ما وقع للإمام مالك بن أنس حيث ضُرب وعُذب حتى خُلعت كتفه وأُغمِي عليه لأنه أفتى بأن طلاق المكره لا يجوز، ذلك أن أحد الولاة أجبر رجلا على طلاق امرأته، وانتشر الخبر بين الناس انتشارا كبيرا، فأراد الوالي تبرير موقفه فسأل الإمام مالك عن الأمر وهدده أنه إن أفتى بخلاف ما أراد هو، فإنه سيسجنه ويعذبه، فأبى الإمام مالك إلا أن يُفتِي بحكم الله، وكان يحدث الناس بحديث ''ليس على مُستَكرَه طلاق''

نتابع الأسبوع المقبل إن شاء الله...

23 يونيو 2015
للإستفسار طباعة