Tadbir.ma

الصويرة مدينة سياحية بامتياز هدوؤها عامل جذب للسياح

suira39.jpg

› تعد الصويرة من بين المدن المغربية القليلة التي تحظى بتاريخ سياحي حافل، وهذا راجع لظروف نشأة المدينة والدور التجاري، الذي كانت تقوم به خلال القرن الثامن عشر باعتبارها الميناء الرئيسي لصادرات وواردات المنطقة الوسطى للمغرب آنذاك، وأقام بها بسبب ذاك تجار أجانب من جميع الجنسيات الأوروبية والأمريكية، كما شكلت المدينة مركز القنصليات الأجنبية.

وفي فترة الستينيات، شهدت المدينة قدوم أفواج مهمة من الأجانب ليس بهدف السياحة ولكن برغبة الاستقرار، وقد عرفت الظاهرة بـ (ظاهرة الهيبي) التي ضمت مجموعة من المفكرين  دبلوماسيين وعسكريين وفنانين وصحافيين واقتصاديين، الذين جاؤوا إلى الصويرة هربا من بلدانهم وتمردا على الحضارة التي وصلوا إليها والتي كانت سببا في تقييد حريتهم، واستقرت هذه الفئة بقرية "الديابات " وقرب البحر وعلى مشارف واد القصب، وقد كان لهذه الفئة دور كبير في جلب العملة الصعبة للمدينة آنذاك، وفي سنة 1974 لم يبق لهم وجود بالمدينة،  وبعد ذلك سوف تعرف المدينة ركودا سياحيا.

انتعاش الحركة السياحية بالمدينة

لم تتخلص السياحة من هذا الركود إلا مع بداية التسعينيات حيث بدأت تنتعش بشكل تدريجي، لكن الانطلاقة الحقيقية كانت مع بداية 1998 التي سجلت قدوم نحو 67.046 سائحا قضوا ما مجموعه 107.566 ليلة ليبلغ هذا العدد أقصاه سنة 1999 حيث وصل إلى حوالي 98.811 سائحا قضوا 123.489 ليلة، وبذلك ستشكل سنة 1999 أهم سنة سياحية عرفتها المدينة منذ بداية الحركة السياحية بها، هذا الارتفاع راجع بالأساس إلى تنظيم أول مهرجان للثقافة الكناوية سنة 1998 وإلى الاهتمام الكبير الذي أصبحت تحظى به المدينة على الصعيدين الوطني والدولي. وينتمي هؤلاء السياح لدول أجنبية مختلفة، وبسبب مناخ المغرب وموقعه القريب من أوربا، فالصويرة تشكل أهم الأسواق السياحية التي تزود المغرب بالسياح، ويأتي الفرنسيون في المقدمة، وهذا يعود للروابط التاريخية والثقافية بين المغرب وفرنسا، يليهم سياح ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وسويسرا وهولاندا والدول الأسكندنافية والبرتغال، من هنا يتضح جليا مدى أهمية السوق الأوروبية ومساهمتها في إنعاش القطاع السياحي بالمدينة، بينما تحتل السوق الأمريكية المرتبة الثانية (الولايات المتحدة الأمريكية وكندا)، فيما يسجل غياب دول أمريكا الجنوبية لعدة أسباب من بينها بعد المسافة وارتفاع التكاليف، لاسيما وأن معظم دول أمريكا الجنوبية تصنف ضمن دول الجنوب الفقيرة، ونجد في المرتبة ما قبل الأخيرة السوق العربية، وأخير الدول الإفريقية، وهذا راجع للأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة بمعظمها.

عوامل التوافد السياحي على المدينة

يمكن تقسيم عوامل التوافد السياحي على مدينة الصويرة إلى عوامل طبيعية، ويدخل ضمن هذه العوامل مجموعة من الخصوصيات المميزة للمدينة، من بينها موقعها على شكل شبه جزيرة، يحيط بها حوالي ست كيلومترات من الشواطئ، ومناخها المتميز بهبوب الرياح على مدار السنة مما أكسبها لقب (مدينة الرياح )، إضافة إلى عامل التشميس ونظافة وهدوء الشاطئ ورماله الذهبية. أما العوامل الثقافية، فتشكل ثاني أهم عناصر جذب السياح، خاصة ما يتعلق بتاريخها العريق وبأروقتها الفنية وبمهرجاناتها المتنوعة وبمواسمها العديدة، وإذا كان معظم السياح يبدون إعجابهم بهندسة المدينة كأول مدينة مغربية وضع لها تصميم هندسي قبل تأسيسها  فإن البعض الآخر يبدي إعجابه بألوان المدينة المميزة عن باقي ألوان مدن المملكة، وذلك باختيار اللونين الأبيض والأزرق في صقل جدرانها وأبوابها، في حين تحتل العوامل البشرية المرتبة الثالثة، فالهدوء الذي تنعم به هذه المدينة مقارنة مع باقي المدن المغربية يعد عامل جذب للسياح، وهذا الهدوء المنقطع النظير راجع لقلة حركة السير بشوارعها، ونحن نعلم مدى السرعة التي يعيشها الأجانب في بلدانهم، إلى جانب هذا الهدوء هناك طيبوبة السكان وتشبعهم بالقيم الكونية، فالسائح نتيجة ذلك ينعم بحرية التحرك والاستقلالية دون أدنى مضايقات، إضافة إلى ذلك هناك المجهودات المتواصلة التي تبذل على أكتر من صعيد لجعل المدينة آمنة ونظيفة. إن تجمع كل هذا العوامل بالمدينة والتي أوردناها باقتضاب، جعل منها مدينة سياحة بامتياز تحظى باعجاب واهتمام مختلف الأجناس والأعمار من مختلف الديانات والقارات، تعرف حركتها السياحية انتعاشا ملحوظا واكبه تطور مهم في عدد الوافدين سواء الداخليين أو الأجانب، وبهذا حققت المدينة في وقت وجيز كما كبيرا في عدد السياح، الشيء الذي شجع المستثمرين على اللجوء لهذا القطاع، فارتفع بذلك عدد الوحدات الفندقية بكل أنواعها العصرية والتقليدية، وبذلك توفرت للسائح إمكانيات الاختيار.

الآثار الاجتماعية للسياحة بالصويرة

تبرز أهمية السياحة في الحد من ظاهرة البطالة، خصوصا وأنها تعمل على تشغيل مجموعة من اليد العاملة، هذه الأخيرة التي يمكن ان تكون مؤهلة لخوض هذا الميدان أو غير مؤهلة لغياب التكوين لديها، فبالنسبة للتشغيل فإن المراقبة الإحصائية عادة ما تكون غير دقيقة ولا يمكن اعتمادها، فهي كمؤشر فقط لا تعكس الواقع، فالمشغل يتعامل بازدواجية مع الإدارات، وهذا راجع لعدة أسباب من أهمها التملص من الضمان الاجتماعي، ومن أداء الحد الأدنى للأجور، ومن خلال استعراض لائحة المؤسسات السياحية الموجودة بالمدينة، يتضح أن أغلب هذه المؤسسات من الحجم الصغير، وإذا كانت القطاعات والمؤسسات المرتبطة بالقطاع السياحي مباشرة تحدث مناصب شغل مهمة، فإنه لا يمكن إغفال دور الأنشطة والمؤسسات ذات العلاقة غير المباشرة مع السياحة بحيث تعد مكملة للجانب الأول، وتساهم بنصيب أوفر في إحداث مناصب شغل زيادة على مساهمتها في تنشيط الاقتصاد المحلي، إلا أنه يبدو من الصعب بمكان تحديد عدد المستفيدين المرتبطين بهذا النوع من النشاط ، فباستثاء الشوائين الموجودين قرب الميناء الذين يصل عددهم إلى حوالي 150 شخصا يشتغلون بالتناوب ، فهناك عدد مهم من اليد العاملة التي تشتغل في القطاعات المرتبطة بالسياحة ونخص بالذكر( الباعة بالبازارات، الصناع التقليديين، الباعة المتجولين، المرشدون، الوسطاء، الفنانون التشكيليون... )، لكن الجدير بالذكر أن أغلب هذه الأنشطة غير مهيكلة وتعاني من مشاكل عدة، من جهة أخرى تعرف المدينة منذ سنوات انتشارا مهولا للإقامات الخاصة بالمستثمرين الأجانب التي تقتصر في الغالب على تشغيل عاملين أو ثلاثة بأجور زهيدة، لاسيما أن عملية (التوظيف ) تتم في ظروف سرية وبطرق ملتوية غالبا ما يتم الاتفاق عليها مع الأجراء الشيء الذي يجعلهم في حالة فصلهم التعسفي عاجزين عن المطالبة بحقوقهم المشروعة، وحسب بعض المصادر المهتمة بالشأن السياحي المحلي، فإن المدينة لا تستفيد من هذه الإقامات،  حيث أن أغلب الوافدين عليها يقومون بتأدية واجباتهم المالية (الإقامة، التغذية،أحيانا ثمن المنتوجات المحلية... )، في بلدانهم الأصلية، إذ يعمل أرباب هذه الإقامات على استغلال الإنترنت للدعاية والتشهير، وغالبا ما يتم تبرير هذا النوع من الإقامة بدعوى استضافة الأصدقاء أو العائلة، دون إغفال ذكر التملص من أداء الضرائب ومختلف الرسوم، ونظرا لما تعانيه المدنية من ضعف في طاقتها الإيوائية انتشرت بشكل سريع ظاهرة كراء السكان لمنازلهم، لما توفره من مداخيل لأصحابها لمواجهة متطلبات المعيش اليومي، إلا أن هذه الظاهرة لها انعكاسات سلبية عديدة خاصة أنها لا تخضع عموما لأي نوع من المراقبة بسبب تهرب أصحاب المنازل من الإعلان عنها بشكل قانوني مخافة أداء الضرائب، ولهذا فعدد الشقق التي تكتري بعلم المعنيين بالأمر لا تتعدى 60 شقة، مع العلم أن هذا العدد لا يعكس إلا نسبة ضعيفة جدا من الواقع، فبعد أن كان أصحاب هذه المنازل يكتفون بكرائها في فصل الصيف، أصبحت الظاهرة منتشرة على مدار السنة، ونتج عن ذلك امتهان مجموعة من الأشخاص معظمهم من النساء لمهنة السمسرة، وهي ظاهرة غريبة عن المجتمع الصويري، وتتراوح أثمنة الكراء ما بين 100 و200 درهم للغرفة الواحدة، وما بين 300 و500 درهم للشقة في الليلة الواحدة، مع العلم أن هذا الثمن قد يزيد أو ينقص حسب التجهيزات المنزلية والمواسم المختلفة، وهذه الظاهرة لها انعكاس سلبي على السياحة بالمدينة بالرغم من الإجراءات الزجرية التي تتخذها السلطات في حق هؤلاء السماسرة وأصحاب المنازل، كما تؤثر هذه الظاهرة على استفادة الفنادق غير المصنفة من الموسم السياحي.

الآثار المجالية للسياحة بموكادور

زيادة على الآثار الاجتماعية السالفة الذكر التي تنتج عن الحركة السياحية بالمدينة، نجد القطاع يساهم بقسط كبير في إحداث تحولات مجالية خاصة بالمدينة العتيقة، فإلى أي حد يمكننا ملامسة هذه الآثار؟ كما سبقت الإشارة، فقد التجأ عدد من الأجانب إلى شراء منازل بالمدينة العتيقة وترميمها من أجل تحويلها إلى مشاريع سياحية من النوع الصغير، والمفروض في عمليات الترميم أن تتم تحت ضوابط محكمة للحفاظ على طابع هذه المنازل التي يعود أغلبها للقرن الثامن عشر، وذلك باستعمال مواد معينة في الترميم كالجير والحجر المنجور لكن الملاحظ هو إهمال بعض الأساليب التقليدية مثل الجدار الحامل وتعويضه بالأعمدة التي تستعمل في البنايات الجديدة  عموما ، فهذه المنشآت السياحية التي أصبحت تنتشر بالمدينة العتيقة بشكل لافت للأنظار، قد غيرت من الشكل القديم والعادي للمدينة، ونشير هنا أيضا إلى أن أزقة المدينة العتيقة أصبحت مكتظة باللوحات والملصقات الإشهارية للفنادق والمطاعم، وتنتشر هذه الفنادق خاصة بشارع علال بن عبد الله والأزقة المتفرعة عنه (شارع الملاح القديم، يليه من حيث الأهمية شارع عقبة بن نافع، بالإضافة إلى درب العلوج وأزقة وشوارع اخرى لاتقل أهمية مثل درب العطارين، ودرب ابن رشد، والشبانات والبواخر. أما المطاعم فتتخذ هي الأخرى مقرات بساحة مولاي الحسن وساحة الشفشاوني ... 

الصويرة: محمد طيفور تصوير: طيفور
14 أبريل 2015
للإستفسار طباعة