Tadbir.ma

الزرابي التقليدية.. صناعة توارثتها نساء خنيفرة منذ القدم

ghazal36.jpg

› احتفظت صناعة الزرابي بالأطلس المتوسط بأصالتها وأسرارها، بما تحمله من ذوق وصنعة تعتمد على الأيادي الماهرة للمرأة الأمازيغية بهذه المنطقة. هذه الصناعة القديمة الجذور توارثتها النساء منذ القدم، فقمن بتجديدها لتجد موطئ قدم في الأسواق العصرية. 

وتشكل المرأة الأمازيغية عماد هذه الصناعة، إذ تحولت مع مرور الزمن إلى مبدعة بالفطرة في هذه الحرفة، خاصة أنها تقوم برسم العديد من الأشكال الفنية والإبداعات الساحرة، وهو ما يجعل زرابيها تمثل لوحات تشكيلية رائعة، احتفظت بصورة لواقع التراث الأمازيغي المغربي الأصيل، وبصفة خاصة، وبطرق وسائل تشبث بأسرارها، التي تمثل جزءا من هوية قبائل المنطقة ونشاط سكانها، الذين يستمدون خيوطها وألوانها ومفردات أناقتها من التراث القديم.

وترتبط صناعة الزرابي بعادات وتقاليد الأطلس المتوسط منذ القدم، بما لها من جماليات فريدة، وتعتبر من الحرف التي تجتذب الكثيرين لمعرفة تاريخها وأسرارها، وكيفية إنجاز أشكالها الجميلة والمتعددة.

في لقاء مع "تدبير"، أوضحت فاطمة (50 سنة)، وهي نساجة من منطقة مريرت بإقليم خنيفرة، أنها قضت أزيد من 30 سنة في مزاولة حرفة نسيج الزربية المرابطية، بالاعتماد على مواد أولية محلية طبيعية، كالصوف المحلي وبعض الملونات الطبيعية، مؤكدة أن هذه الحرفة ورثتها من جدتها وأمها منذ أن كانت تبلغ من العمر سبع سنوات. واعتبرت هذه الصناعة نشاطا مدرا للدخل، ويلعب دورا اقتصاديا مهما في عيش بعض الأسر والعائلات. 

واسترسلت فاطمة قائلة إن هذه الحرفة تعتبر العمود الفقري لعيش أسرتها والاستمرار في الحياة، نظرا لما تدر عليها من مدخول متواضع، وفق الظروف الطبيعية والإمكانيات التي يوفرها محيطها الطبيعي، وحسب ما تمليه ظروف الرعي، الذي يضمن إنتاجا حيوانيا قارا، وبالتالي ضمان المادة الأولية، وهي الصوف، التي تصنع بها الزرابي، لتستقر في البيت لمدد طويلة في عمليات خلخلة الصوف وغزله وصباغته ونسيجه، وبعد ذلك تقوم بطرح المنسج وتثبيته في زاوية البيت، ومن ثمة تبدأ عمليات نسج الزربية، التي تقضي فاطمة في نسجها شهورا طويلة، لتتحول هذه المجهودات إلى لوحات فنية بديعة. 

وأفادت فاطمة أنه بالرغم من أن قطاع الزرابي يعد حيويا بالأطلس المتوسط، إلا أنه يتخبط في مشاكل عديدة، خاصة في ما يخص التسويق، إذ بدأ بريقه يتراجع بشكل ملحوظ منذ الثمانينات، نتيجة تراجع الطلب على المنتوج والتوجه نحو استهلاك الزرابي الآلية ذات الكلفة البسيطة، إلا أن جودة الزربية التقليدية المرابطية، التي تصنع بأنامل المرأة القروية، ليست تلك التي تصنع بالآلات، لكون الزربية التقليدية تصنع بمواد أولية، كالصوف ونباتات طبيعية، وتنسج بوسائل تقليدية، ما يعطي لها قيمة أكبر، ويجعل منها صناعة تقليدية راسخة في الأذهان وذات أبعاد تراثية وحضارية عريقة، ما أدى إلى وضعها مجددا في السوق الوطنية والدولية بعد أن جددت نفسها وسارعت لمواكبة التغيرات المتلاحقة خلال السنوات القليلة الماضية، لتفك عنها عزلة عاشتها لمئات السنين ومكنتها من الانفتاح على عوالم جديدة.

وفي السياق نفسه، أفاد محمد أحوزار، باحث في التراث الأمازيغي، لـ"تدبير"، أن حرفة النسيج الأمازيغي موروث تراثي قديم توارثته بنات القبيلة عن الأجداد، الذين زاولوا هذه الصنعة منذ القدم، وتوارثتها الأجيال، لتحمل إلينا في هذا العصر رموزا ودلالات كبيرة وظفتها أيادي أمازيغية مبدعة في الحفاظ على الهوية والخصوصية الثقافية الأمازيغية عبر قرون خلت.

وأضاف أن الزرابي بشتى أنواعها وأشكالها، كانت إلى عهد قريب حاضرة في الخيمة والبيت المغربي، سواء على شكل أفرشة أو أغطية.

وأوضح المصدر  نفسه أن ظاهرة التمدن أثرت سلبا على هذا الموروث الثقافي، وجعلت النسيج التقليدي بكل أشكاله يتوارى إلى الخلف، بعدما كان يحتل الصدارة على مستوى الأثاث المنزلي، فقد كانت الزربية الأمازيغية متداولة بشكل كبير، حيث لا يخلو منزل من منازل مدن وقرى الأطلس من هذه الزرابي، التي تحمل أشكالا مزركشة جاعلة من كل زربية لوحة فنية مستقلة بذاتها، كما كانت النساء الأطلسيات يتباهين وهن يرين بيوتهن مزينة بألوان وأشكال مختلفة، غالبا ما كان اللون الأحمر والأبيض من الألوان المفضلة لدى النساء، بحكم أن المرأة هي التي تتولى اختيار الألوان حسب ذوقها.  

كما كان للمرأة استقلالية في اختيار الأشكال الهندسية، المسماة " ألقض أو ألقيض" باللغة الأمازيغية، حسب المناطق.

إن الزربية التقليدية ما زالت في الأطلس ضرورية للسكان، حسب أحوزار، بالنظر إلى مناخ الأطلس المعروف بقساوة برودته، لذلك كانت وما زالت الحاجة ماسة للزربية وباقي الأغطية الصوفية، لمقاومة البرد القارس. وكانت هذه الضرورة الطبيعية من تحكمت في البداية في هذا النوع من الأغطية، أضف إلى ذلك أن الأمازيغ ارتبطوا منذ الأزل كرحل بتربية المواشي وخصوصا الأغنام والتي كانت مصدر المادة الأولية التي تخضع لعمليات متعددة من التهييء. 

وتفضل النساء أن يخللن الصوف بمادة محلية تدعى "الشبة" حتى يتشرب أثناء صباغته المواد الملونة العشبية التي ستضاف إليه، فمادم معيار جمال الزربية وحسنها يرتبط بالتلاوين المختلفة التي تصطبغ بها. 

خنيفرة: عزالدين كايز
23 مارس 2015
للإستفسار طباعة