Tadbir.ma

الحرف التقليدية.. مجال لجلب الاستثمار وتنمية جهة تادلة أزيلال

CHABAB37.jpg

› شكلت علاقة الإنسان بالمجال علاقة جدلية وتفاعلية على مر الزمن، بكل المناطق المغربية، وفي كل نفوذ تادلا، سواء في السهل أو الجبل أو االسفح، وهو ما أفرز أنماط عيش تنسجم  وتتناسب مع المحيط والبيئة التي يعيش فيها الإنسان، الذي استطاع أن يتكيف مع كل تفاصيل هذا المجال، وأن ينحت وجوده بشكل مألوف مع الطبيعة ومكوناتها الجغرافية والطبيعية، وأن يكون سيد نفسه، في استخراج حاجياته من سطحها وبطنها ومن مكوناتها، وفق نمط عيش يومي يجعل لحياته معنى، في صنع كل مكونات هذه الحياة، ومتى استعصت بعض الأمور، فإن علاقات الجوار كانت الملاذ لسد الخصاص بما يسد الثغرة وبشكل يغطي مصالح الجانبين، ثم إن الأسواق المحلية والموجودة في الجوار، كانت محطة أساسية للتبادل التجاري بين القبائل، بل هي مجال حيوي لممارسة مجموعة من الأنشطة الاقتصادية، التي تَسدُّ بعضا من مآرب وحاجيات المجتمع القبلي. إضافة إلى الأسواق فقد كانت هناك الفضاءات التي تشكل طرقا تجارية، شكلت مجالا للمدن والمراكز، التي حافظت على هذه الروابط والتبادلات التجارية والاقتصادية، خاصة أن تادلا شكلت طريقا مهما للتجارة والحراك الاقتصادي بين القوافل التجارية المارة عبرها، على اعتبار أنها تتوسط مملكتي فاس ومراكش.

فكانت أغبالة واويزغت، أبي الجعد، بني ملال، زاوية الشيخ، القصيبة، تادلة، ودمنات، وعلاقاتها بأسواق واد العبيد وغيرها، مراكز اقتصادية مهمة في الرواج التجاري، وهي فضاء ترويج مجموعة من المكونات، التي كانت يد إنسان الجبل أو السهل تسخرها لقضاء مآرب الناس، والتغلب على صعوبات الحياة والطبيعة، وهو ما يعكس سيادة مجموعة من الحرف التقليدية، التي ارتبطت بشكل كبير خاصة في المناطق الجبلية، بالأسر والعائلات وبمتطلبات الحياة اليومية، لذلك كانوا يصنعون كل ما يحتاجون إليه دون الحاجة للبحث عن تسويقه في أول الأمر، فما يصنعونه حرفيا ينبع من خصائص المجال، انطلاقا من الفلاحة أو تربية الماشية، من قبيل غسل الأصواف واستخراج الغزل منها، لصناعة الخيام والألبسة من جلابيب وبرانس وزرابي عادية، إضافة إلى الاعتماد على أخشاب الطبيعة لصناعة المحاريث، ويضطر للذهاب إلى السوق، لتوفير أدوات الغزل والحصول على القفف والسلل وبعض الأواني الخزفية، إذا لم توفرها الطبيعة في بيئته، وبعض الأدوات الأخرى المصنوعة حرفيا بالمدن والمراكز التجارية في محيط المنطقة أو في الأسواق المحلية والمجاورة، لتوفير كل حاجياته المطلوبة، حيث كان تجار المدن يختلطون بالقرويين، ومن سكان الجبل، فضلا عن علاقات تجارية معتادة مع قبائل البوادي في المحيط المجاور لهذه القبائل ولسكان الجبل والقرى، حيث كانت تباع جميع منتوجات الصناعة التقليدية والأقمشة والملابس القطنية والصوف والجلد وباقي المواد والأدوات الفلاحية والشمع والسكر.

يكفي أن دمنات، مثلا، كانت سوقا لصناعة الخشب والدوم والسلل والحديد (آيت شتاش)، الذي كان يستخرج ويذوب، يباع صفائح وكرات ومسامير، وصناعة الخزف والأواني في إنولتان وقرى تجاورها، وكذا صناعة النسيج من أفرشة وملابس وصناعة الجلود.

يتضح أن الحرف التقليدية منذ القدم، تشكل واجهة مهمة في اقتصاد مجموعة من المداشر والقبائل والمدن بجهة تادلة أزيلال، وما زالت تمثل آلية لإعالة مجموعة من الأسر، وتنمية اقتصاد المنطقة، بل إنها جانب محوري في تراث المنطقة، يتطلب تدخل العديد من المكونات الجمعوية والجهات المسؤولة لحمايتها من الانقراض، ولفت الانتباه إليها كتراث يقتضي الحفاظ عليه بجميع الوسائل.

مصادر من جامعة السلطان مولاي سليمان، وتحديدا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، اتخذت مبادرات في انفتاح الجامعة على المحيط، وعملت على فتح أبواب المجال البيداغوجي على مجال التراث، بكل مكوناته ومنها الحرف التقليدية التي شكلت حضورا متميزا في ذاكرة جهة تادلة أزيلال وقبائلها بل وفي سهولها وجبالها وسفوحها، واعتبرت أن هذا التراث جزء من الذاكرة الجماعية ومعبر عن خصوصية المنطقة وعن جزء من هوية المغرب المتنوعة والمتعددة، بتراثها الغني، بل إنها مكون أساسي في مجال الاستثمار وبالتالي تنمية المنطقة، وهذا من بين أهداف الجامعة التي فتحت أبواب محترفات تراثية، إضافة إلى جعل بوابة البحث العلمي أرضية صلبة لتسليط الضوء على هذا التراث الغني بكل مكوناته الثرية،  وبالتالي البحث فيه من طرف دكاترة متخصصين في الميدان، وهو الهدف الذي تبناه الماستر الذي فتح أبوابه في تخصصات متعددة منذ سنوات، وأيضا ماستر أكثر تخصصا في هذا التراث، وهو في إطار المجال والتراث والتنمية الجهوية، كلبنة وأرضية صلبة لجعل هذا المكون مجالا للاهتمام والبحث، حفاظا على هذه الذاكرة، ومن أجل الإسهام في تنمية المنطقة. 

بني ملال: محمد رفيق
25 مارس 2015
للإستفسار طباعة