Tadbir.ma

إنتاج «الخيمة الصحراوية» نموذج تقليدي يقاوم مظاهر التمدن

intaj.jpg
يوصف الإنسان الكريم بأنه صاحب خيمة كبيرة وقد تستخدم للتحقير كقولهم "خويمة خالية" في إشارة إلى البخل وقلة الأصل

›  بنمط عيش تطبعه البداوة والبساطة، عاش المجتمع الحساني، على إيقاع الترحال والانتقال من مكان لآخر، بحثا عن كلئ الماشية، والمراعي الخصبة، معتمدا على الخيمة كمسكن يوفر إمكانية الانتقال بسهولة من مكان لآخر. ولعل من أبرز القبائل الصحراوية المشهورة بالترحال قبيلة إيتوسى، الذي تعد مدينة آسا عاصمة لها.

 ولم يقتصر دور الخيمة على السكن فقط، فهي رمز للاستقرار المادي وتجسيد فعلي لإطار قوي للعلاقات الاجتماعية والعائلية. فيقال، مثلا، "مول الخيمة" في إشارة إلى رب البيت، كما يقال أيضا "خيمة الرك" في إشارة إلى بيت العروسين ليلة دخولها الأولى، كما يوصف الإنسان الكريم بأنه صاحب خيمة كبيرة، وقد تستخدم للتحقير، كقولهم "خويمة خالية" في إشارة إلى البخل وقلة الأصل.

كما يفضل الإنسان الصحراوي أن يكون باب خيمته مفتوحا نحو الشرق حيث تقسم الخيمة من الداخل إلى شطرين، فهناك ما يسمى "الساتر" في حالة وجود ضيوف وغالبا ما يكون مزينا بالأفرشة ويخصص للرجال والشيوخ، والشطر الثاني مخصص للنساء والأطفال.  اتخذ الصحراويون منذ القدم من الخيمة مسكنا، ومع الانتقال إلى الحياة في المدينة ظلت الخيمة تراثا ثقافيا عريقا يتحدى بجماله المعمار الحديث، ويصعب محوه من الذاكرة، وحتى استقرار أهل الصحراء المغربية في المدن داخل الشقق لم يبعدهم عن حياة البداوة والحنين الى العيش داخل خيمة، إذ تجد وسط الفيلات الكبيرة بمدن كلميم وطانطان والعيون وغيرها من المدن المغربية، عائلات تنصب خياما تقليدية في إشارة واضحة إلى غلبة الأصل التقليدي للإنسان الصحراوي على كل ما هو عصري وحنينه لحياة البداوة وبساطتها.

صناعة الخيم 

تصنع الخيمة بالصحراء من شعر الماعز الأسود، أو وبر الإبل، خاصة إذا كان لونه أسود أو أحمر، كما يمكن أن يستغل صوف الضأن الأسود. 

تقول خديجة السارخ، إحدى المستفيدة في تعاونية الكراريات، التي تأسست في يونيو 2007 بآسا، في حديثها مع "تدبير"، إن صناعة الخيمة الصحراوية أمر نسائي بامتيازه، حيث تضطر النساء للخروج للأراضي الخلاء بالضواحي متحملة حرارة الصيف وقساوة الشتاء لاستعطاف الرعاة الرحل من أجل الحصول على شعر الماعز، فبعضهم يقبل ذلك مجانا، وآخرون يضطرون لبيعه لهن، بعد أن يقضين حوالي أسبوع باحثات عن الرحل.   

وتستلزم الخيمة الواحدة ما بين 12 إلى 15 كيسا من شعر الماعز، يتم في المرحلة الأولى غسله بالصابون تفاديا لحساسية المواد المستعملة في صباغة المعز على يد البشر، بعدها يتم تفكيك الشعر الأسود من الأحمر بضربه بعصى في الأرض، وتسمى هذه العملية "بالغرشلة"، لتنطلق بعدها سلسلة الغزل أو "البريم" لتشكل الوحدة الاساسية للخيمة، وهي "الفلجة"، وتعني حاشية مسطحة، عرضها من 50 إلى 75 سنتمترا، أما الطول فيختلف حسب الحجم المطلوب،  وغابا ما يصل إلى حدود 30 مترا، ويتم جمع الفلجة بعضها ببعض بواسطة الخياطة لتشكيل الخيمة.

ويعد المكون الثاني الاساسي للخيمة، حسب خديجة السارخ، هو المطنبة وتخص طولي الخيمة، بحيث تكون واحدة في الأمام والأخرى في الجهة الخلفية للخيمة، وهي مخصصة للتزين.      

كما تحتاج الخيمة لأوتاد التي تستخدم لتثبيت الخيمة بالأرض، ولخوالف أي حواشي على شكل حبال مسطحة ويطلق عليها لحكاب، ووظيفتها هي تقوية الخيمة عند نصبها، وربطها بالأوتاد المثبثة في الأرض، إلى جانب لخراب، والبيبان وهما ساريتان من الخشب تمسكان بقمة الخيمة لفتح واجهة الخيمة الأمامية، بحيث توضع كل واحدة في جانب من الخيمة، والمسمك وهو عود يأتي بين البيان في خط مواز مع الركائز، وكذا "الرحل" و"اشدوم" و"أسفل" و"التزاية "و"الفرو" و"لخلالات"، و"اسوادر"، وهو غطاء مزخرف يغلف الخيمة من الداخل من أجل تدفئتها، كما أنها تضفي عليه شكل خاص، أما بالنسبة لفراش الخيمة فهو عادة إما "كطيفة" أو حصير متنوع من السمار الذي ينبت في السبخات وبجانب العيون. ويتطلب إنجاز خيمة واحدة حوالي 4 أشهر.

وتبقى المواسم والمهرجانات المقامة في المدن الصحراوية التي تجلب العديد من الزوار والسياح، أكبر مساهم في احياء مجد الخيمة التقليدية المصنوعة من شعر الماعز، التي اصبحت نادرة، مما دفع الناس الى الاهتمام من جديد بخيامهم وترميمها. 

آسا: أسامة العوامي التيوى
16 يونيو 2015
للإستفسار طباعة